نبوءة الروائي تسبق أزمة الماء  في "قبو الحفصية" لمحمد أمين بن هلال: أي تشابه بين الواقع والخيال... هو من وحي الهذيان!

قبل البدء،  وجب التنويه التالي: أيّ تشابه  بين هذا المقال

ورواية «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال، وبين أبطال الرواية أو ضحايا الواقع، أو بين العطش المجازي وانقطاع الماء من الحنفيّات... هو مجرّد توارد أوهام محض من خيال الكاتب، ومحض هذيان لا أساس له من الصحة!

يقال – والعهدة على راوي الخرافات في زمن العجائب والغرائب – إنّ كاتبا شابا  جلس منذ أعوام، وبقي لشهور وأيام  يكتب في روايته الأولى بدقة  الصحفي الفطن وبخيال القارئ النهم وبتخطيط الخبير في الاتصال والإعلام.... وبعد أن أطعم جيّدا سلة المهملات من المسودات... اكتملت  الرواية وسمّاها "قبو الحفصية" وطبعتها "دار سيراس" العريقة وكان توقيعها الأول في معرض تونس الدولي للكتاب 2026 .

كيف استشرف الأدب العطش ؟

في "قبو الحفصية"  امتاز الروائي محمد أمين بن هلال بشاعرية في الوصف وانسيابية  مدهشة في توصيف التفاصيل الصغيرة والمهملة سواء عبّر عن عذابات السجون  أو تحدث عن لوعة الحب في قلوب العشاق.  كما تسلّح  بقلم له عينين  ترى ما لا يُرى، وببصيرة تنفذ إلى  ما وراء حدود البصر. فامتلك  القدرة على الاستشراف  ليس  لمجرد التطرق إلى قضية الماء وتجفيف المنابع من قبل سماسرة المياه المعلبّة وما يحف بها من ملابسات والتباسات... انما لجعله البطل يدفع ثمن الدفاع عن الحق في الماء !

في الصفحة الأولى من الرواية، اختلق الكاتب  بلدا وهميّا في مجرة أخرى، يقلّ فيه المطر، فتجفّ فيه الآبار وتترنح السدود. ولكي يطعم الكاتب نصه بجرعة من التشويق الدرامي، أهداه خياله الشاسع الحبكة التالية:  شاب  "ناشط في جمعية تعنى بقضية المياه" اسمه "غالب"، يعشق الخوض في شؤون الأنابيب وتفقّد السدود.. يتحدث  في المقهي  في "محظور الكلام"، فيُقتاد إلى التحقيق بتهمة أنّ صراخه عن الشحّ قد يسبّب كدرا لصفو المياه!.

لما قرأ النقاد الرواية  ضحكوا حتى شرقوا واستنجدوا بشربة ماء،  وصرخوا: " يا أخي، بالغت كعادتك! من قد يلاحقُ أحدا بسبب... قطرة ماء؟"

سيناريو متخيّل ... أم واقع متجسّد؟

في كواليس "قبو الحفصية"، لم يكن القبو مجرد بناية  قديمة أو حيطان متآكلة في ذاكرة العاصمة تمتزج فيها الأسطورة بالموروث الجماعي  ... إنما  كان رمزا لاحتجاز الحقيقة ولإخراس الصوت المتمرد والمختلف.  

في الرواية، ربما لم تعد المياه تجري في المجاري بعد تجفيف المنابع.  وفي الواقع، أصبحت المياه تُباع خلسة في السوق السوداء ... منذ فترة مرّت، كان الروائي محمد أمين بن هلال يبتسم بمرارة، وهو يسلّم نسخته النهائية للطبع موصيا بها صديقته المثقفة والمكلفة بالإعلام بدار النشر "سيراس" وداد بن يحمد خيرا.  كان يقول في  نفسه:" سيناريو متطرف في الخيال بعض الشيء، عنيف بعض الشيء ، سوداوي بعض  الشئ... لكنّه خيال أدبي محتوم!"

تمرّ الأيام وبعد بضع أشهر فقط، يتحول المشهد الخيالي من صفحات الكتاب ورفوف المكتبات إلى شاشات الهواتف وأعمدة الأخبار: تونس تخوض أعتى أزمات الجفاف... والماء شبه منقطع في المغازات والحنفيات !

لكن الغريب في الأمر، وفي واقع  الآن وهنا،  أنّ من قرأ "قبو الحفصية" يفرك عينيه ليتحقق أنه لا يحلم ! فهل  أنّ صفحات تسربت من الرواية  فصارت فصلا  من يومياتنا العطشى في صيف قاس ؟ أم أن الروائي رأى بعيني "زرقاء اليمامة"  واقعنا قبلا منّا؟

وكما سقط جدار برلين، يسقط جدار الفصل بين الأدب والواقع، ونكتشف جميعا أن الروائي لم يكن يستعرض عضلاته الخيالية، إنما كان يقرأ المستقبل القريب والقريب جدا  بأجهزة استشعار مبكرة.

طبعا،  هي أوهام من نسج الخيال،  فالصنابير تزقزق، والشلالات تُهرهر ، وخرير المياه  الصافية موسيقى  ...وأزمة المياه مجرد إشاعة أطلقها أعداء الطقس والغيوم!

وفي التنويه الأخير - وقانا الله شرّ التأويل -  كل ما ورد أعلاه هو مجرد قراءة في أدب الفانتازيا. و"قبو الحفصية" ليس إلا قبوا مجازيا يتسع لكل التخيّلات التي نرجو ألا تصبح حقيقة أبدا...مطلقا !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115