ساحة الحرب بل بدأت تمتد إلى عمق المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها . ومع دخول الحرب شهرها السابع، تتزايد الأسئلة داخل واشنطن وعواصم حليفة حول قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على جاهزيتها العسكرية إذا استمرت المواجهة مع إيران بالتوازي مع التزاماتها تجاه أوروبا وآسيا .
وتؤكد تقارير أمريكية أن الاستنزاف طال خصوصاً صواريخ "باتريوت" و"ثاد" و"توماهوك'' وغيرها من الأسلحة الدقيقة، بينما بدأت بعض الدول الحليفة تواجه احتمال تأخر شحنات عسكرية كانت تنتظرها منذ فترة.
وتشير صحيفة "واشنطن بوست" في أحدث تقاريرها إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أطلقت أكثر من 850 صاروخ "توماهوك" خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، فيما قدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن العدد تجاوز لاحقاً ألف صاروخ، من مخزون أمريكي سابق تراوح بين 3100 و4500 صاروخ.ويرى مراقبون أن خطورة الوضع لا تكمن في احتمال نفاد الترسانة الأمريكية بالكامل، وإنما في "الفجوة الزمنية بين معدل الاستهلاك العسكري وسرعة إعادة بناء المخزونات".
استنزاف يتجاوز منطقة الشرق الأوسط
وبحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ''CSIS ''، فإن حملة القصف والدفاع الجوي ضد إيران استنزفت مخزونات أمريكية مهمة، وخلقت ما وصفه المركز بـ''نافذة ضعف'' محتملة أمام أي مواجهة مستقبلية في غرب المحيط الهادئ. كما يشير المركز إلى أن إعادة بناء بعض المخزونات، خصوصا صواريخ ''توماهوك'' و''ثاد'' و''باتريوت''، قد تحتاج إلى سنوات طويلة.
وتكتسب هذه المخاوف أهميتها من كون الولايات المتحدة لا تواجه تحديا عسكريا واحدا. فروسيا ما تزال تمثل تحديا رئيسيا في أوروبا، بينما تعتبر الصين المنافس الاستراتيجي الأكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.ويؤكد خبراء أن أي حرب طويلة مع إيران يمكن أن تفرض على البنتاغون معادلة صعبة: الاستمرار في دعم العمليات الجارية من جهة، والمحافظة في الوقت ذاته على مخزون كاف لمواجهة أزمات محتملة في مناطق أخرى.
حساسية الوضع
وفي تقرير حديث، نقلت وكالة ''أسوشيتد براس'' عن مسؤول دفاعي أمريكي في أوروبا ومسؤول في حلف شمال الأطلسي أن مخزونات صواريخ ''باتريوت'' في أوروبا وصلت إلى مستوى وصف بأنه ''يتجاوز الحرج''، نتيجة الاستنزاف المرتبط بالحرب مع إيران، إلى جانب احتياجات أوكرانيا.وتحذر المصادر ذاتها من أن انخفاض مخزون صواريخ الاعتراض قد يضعف قدرة الناتو على التعامل مع هجوم صاروخي روسي محتمل، خصوصا أن البدائل عن "باتريوت" لا تزال محدودة.
ويرى محللون أنّ أهمية ''باتريوت'' لا تتعلق بعدد الصواريخ الموجودة فقط، بل بطبيعة المهمة التي تؤديها، فهذه الصواريخ تشكل طبقة رئيسية من منظومة الدفاع عن القواعد والقوات الأمريكية والحليفة.
تايوان تدفع ثمن الاستنزاف
في آسيا، بدأت المخاوف تنتقل من غرف التخطيط العسكري إلى حسابات الحلفاء.وتقول "واشنطن بوست" إن نحو 30 مليار دولار من الأسلحة الأمريكية التي وافقت واشنطن على بيعها لتايوان لم تُسلّم بعد، بينها صواريخ "باتريوت" بقيمة 882 مليون دولار. كما أشارت الصحيفة إلى مخاوف تايوانية من تأخر شحنات "PAC-3".
كما تواجه اليابان احتمال تأخر تسليم صواريخ ''توماهوك''، بينما أفادت تقارير بأن شحنة من 400 صاروخ قد تتأخر لمدة تصل إلى عامين.ويؤكد مراقبون أن هذه التأخيرات تحمل بعدا استراتيجيا أكبر من مجرد مشكلة لوجستية، لأن الولايات المتحدة تستخدم مبيعات الأسلحة وسيلة لتعزيز قدرات حلفائها.
وتكشف أرقام الاستهلاك عن حجم الضغط الذي تعرضت له الترسانة الأمريكية.فوفق ''واشنطن بوست''، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ ''توماهوك'' في الأسابيع الأربعة الأولى، بينما تجاوز العدد ألف صاروخ وفق تقديرات'' CSIS'' كما تشير بيانات المركز إلى استهلاك نسبة كبيرة من مخزونات صواريخ أخرى.
وفي جويلية أظهر تحليل آخر أن الولايات المتحدة استهلكت خلال المرحلة الأولى من الحرب كميات كبيرة من منظومات ''ثاد'' و''باتريوت'' وصواريخ ''SM-3'' و''SM-6'' وغيرها.ويقول خبراء إن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا عندما تكون الأسلحة المستهلكة من النوع الذي لا يمكن إنتاجه بكميات ضخمة خلال أسابيع أو أشهر.
واشنطن تسابق الزمن
وأمام هذا الواقع، بدأت الولايات المتحدة في تسريع جهود إعادة بناء مخزوناتها.وفي 29 جويلية، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية منح شركة ''لوكهيد مارتن'' عقدا تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ اعتراض "PAC-3 MSE" على مدى عدة سنوات. وأكدت الشركة أن الاتفاق جزء من خطة لرفع الإنتاج بشكل كبير.
وبحسب ''رويترز''، يأتي العقد في وقت تتعرض فيه المخزونات الأمريكية لضغوط بسبب الحرب في إيران والدعم العسكري لأوكرانيا، بينما تخطط لوكهيد مارتن لزيادة إنتاج صواريخ إلى نحو 2000 صاروخ سنويا بحلول عام 2030.فرفع الطاقة التصنيعية يحتاج إلى توسيع المصانع، وتوفير العمالة المتخصصة، وتأمين المكونات وسلاسل الإمداد، وهي عملية قد تستغرق سنوات في بعض الأنظمة.ولهذا خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إعادة بناء بعض المخزونات الأمريكية ستكون مشروعاً متعدد السنوات، وليس عملية يمكن إنجازها بسرعة.
أوروبا وأوكرانيا في قلب المعادلة
ووفق مراقبين فإنّ الاستنزاف الأمريكي لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط أو آسيا.فأوروبا تحتاج بدورها إلى منظومات دفاع جوي وصواريخ اعتراضية، بينما تعتمد أوكرانيا بدرجة كبيرة على صواريخ الدفاع الجوي الغربية للتصدي للهجمات الروسية.
وتشير تقارير ''واشنطن بوست'' إلى أن نقص الصواريخ الاعتراضية يفرض قيودا إضافية على قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تلبية احتياجات أوكرانيا، في وقت تستمر فيه روسيا في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف أوكرانية.وهنا، يرى محللون أن واشنطن تجد نفسها أمام معضلة توزيع موارد محدودة نسبياً على عدة مسارح عمليات في الوقت نفسه.
الاستنزاف البشري والبحري
ولا تقتصر الكلفة على الصواريخ، فقد أدى استمرار الانتشار الأمريكي في المنطقة إلى إبقاء عشرات آلاف الجنود في حالة تعبئة، فضلاً عن الضغط المتزايد على البحرية الأمريكية.وتشير تقديرات حديثة إلى بقاء نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، بينما تحدثت تقارير عن ارتفاع كبير في تكلفة العمليات العسكرية والبحرية.
كما أظهرت تقارير أن البحرية الأمريكية تواجه ضغوطا مالية متزايدة بسبب الحرب، مع إعادة توجيه موارد كانت مخصصة للصيانة والعمليات لتغطية نفقات القتال.ويرى مراقبون أن طول فترة الانتشار قد يتحول إلى مشكلة جاهزية بحد ذاته، خصوصا إذا اضطرت القوات إلى الحفاظ على الوتيرة ذاتها لأشهر إضافية.