نصف عام من المواجهة: كيف تحوّلت "الحملة الأمريكية الخاطفة" على إيران إلى مستنقع دون أفق؟

منذ أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما

المشتركة على إيران في أواخر فيفري 2026، كانت التوقعات الأولية-أمريكيا- تتحدث عن عملية عسكرية محدودة لا تتجاوز بضعة أسابيع. لكن مع دخول المواجهة شهرها السادس، بات من الواضح أن الحسابات السياسية والعسكرية التي بُني عليها القرار في واشنطن لم تصمد أمام الواقع، وأن الإدارة البيضاوية تجد نفسها اليوم أمام صراع مفتوح يستنزف مواردها دون أن يحقق أهدافه المعلنة.

اذ يرى مراقبون أن الرئيس الأمريكي الذي بدأ الحرب بثقة كبيرة، بدا في الأسابيع الأخيرة وكأنه فقد الاهتمام بالملف بعدما تعثرت المفاوضات مع طهران منذ شهر جوان المنقضي .ويؤكد محللون في السياسة الخارجية أن تعامله مع الملف الإيراني وكأنه يمكن حسمه بسرعة على غرار سيناريوهات سابقة لم يكن سياسة ناجحة ، خاصة وأن إيران لم تخصع للضغط كما كان متوقعا، ما دفعه للتحول تدريجيا من التلويح العسكري إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية. وحتى المبررات المعلنة للحرب تغيرت هي الأخرى، من الحديث عن تغيير النظام في طهران إلى التركيز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

ضربة للبرنامج النووي

على الصعيد النووي، ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية، سواء في الهجوم الأول منتصف عام 2025 أو في المرحلة الحالية من الحرب، أضرارا كبيرة بثلاث منشآت رئيسية لتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى مقتل عدد من العلماء النوويين البارزين. ووفق تقديرات استخباراتية أمريكية، ارتفع الوقت اللازم لإيران لإنتاج مادة انشطارية كافية لصنع قنبلة من نحو ستة أشهر قبل الحرب إلى ما يقارب العام حاليا. ورغم أن هذا يمثل تراجعا فعليا في القدرات الإيرانية، إلا أنه لا يعني -وفق خبراء- القضاء الكامل على الطموح النووي الذي بقي الهدف الأول المعلن لواشنطن.

مضيق هرمز

وفق تقارير في الغرض كانت الكلفة الاقتصادية للحرب على إيران باهظة،فقد تضررت منشآت صناعية وشبكات نقل تجاري، وتراجعت العملة المحلية إلى أدنى مستوياتها التاريخية، فيما قفز تضخم أسعار المواد الغذائية إلى نحو 128% خلال جويلية، ليصل التضخم العام إلى نحو 84% بحلول أوت. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال عام 2026 إذا استمرت تداعيات الحرب. ومع ذلك، لم يترجم هذا الضغط الاقتصادي إلى انهيار سياسي للنظام الإيراني، الذي رفض الرضوخ لشروط واشنطن. وبقي مضيق هرمز، الذي لم يتم تفعيل ورقة الضغط فيه إلا بعد اندلاع الحرب، بؤرة توتر مستمرة تهدد حركة الملاحة والطاقة في المنطقة والعالم.

غضب دولي وانقسام أمريكي داخلي

على المستوى الدولي، رفضت الصين ما وصفته بعقوبات أحادية غير قانونية، بينما أعلنت الإمارات قطع تعاملاتها التجارية والمالية مع إيران احتجاجا على الهجمات. أما داخل الولايات المتحدة، فقد اتسعت رقعة الجدل: بين من يرى أن الوضع الحالي يستحق فعلا وصف "حرب"، وبين من لا يزال يتحاشى هذا التوصيف رسميا.

 وتُظهر استطلاعات الرأي المتكررة أن التأييد الشعبي للحرب لا يتجاوز 37%، مقابل معارضة نحو 55% من الأمريكيين، وهو ما فتح الباب أمام هجوم ديمقراطي متصاعد على الإدارة، يركز على الكلفة المالية والعسكرية المتصاعدة وانعكاساتها الانتخابية المحتملة.

دبلوماسية متعثرة

منذ انتهاء المرحلة الأولى من القصف في جوان، دخل الملف في حلقة متكررة من الإعلانات المتضاربة. فبعد التوصل إلى مذكرة تفاهم بوساطة باكستانية منتصف جوان نصّت على مهلة تفاوضية مدتها 60 يوما للوصول إلى اتفاق شامل يغطي البرنامج النووي ورفع العقوبات، تعثر التنفيذ سريعا، وانتهت المهلة في 17 أوت دون نتيجة، لتستأنف المواجهة من جديد.

ومنذ ذلك الحين، دأب ترامب على الإعلان مرارا عن قرب التوصل إلى اتفاق، واصفا المحادثات تارة بأنها "الفرصة الأخيرة" أمام طهران وتارة بأنها محادثات "منخفضة المستوى" أو "جزئية"، بينما تنفي طهران باستمرار وجود أي مسار تفاوضي مباشر مع واشنطن. كما أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي" أن قطر وباكستان تكتفيان بدور نقل الرسائل بين الطرفين، مؤكدا أن بلاده لم تحسم بعد قرارها بشأن العودة إلى طاولة التفاوض، ومتهما واشنطن بخرق بنود مذكرة التفاهم".

 أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي فشدد مرارا على "أن الحوار الوحيد القائم فعليا هو مع سلطنة عُمان، وأنه يقتصر على ترتيبات ثنائية لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز لا علاقة لواشنطن بها". وكشفت تقارير عن وجود قناة اتصال غير معلنة بين البيت الأبيض وقيادة الحرس الثوري الإيراني، جرى تسهيلها عبر رئيس إقليم كردستان العراق، في مؤشر على أن التواصل خلف الكواليس أوسع مما يظهر في التصريحات العلنية المتبادلة.

وفي خضم هذا الغموض، صعد ترامب لهجته أكثر من مرة، متهما المفاوضين الإيرانيين بـ"عدم الصدق" وبممارسة "المكر"، عبر الموافقة داخل قاعات الاجتماعات ثم النفي العلني عبر الإعلام، بحسب تعبيره، فيما اشترط في مرحلة لاحقة دفع تعويضات كشرط أساسي لأي مفاوضات مقبلة. وردت طهران عبر نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي بالتأكيد على أن السيادة على مضيق هرمز "حق حصري" للجمهورية الإسلامية تاريخيا وجغرافيا، رافضة أي محاولة أمريكية للتدخل في إدارة الممر المائي أو فرض شروط على حركة السفن فيه.

أسواق النفط تحت وطأة التصريحات المتناقضة

وانعكس هذا التضارب في الخطاب الأمريكي والإيراني مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. ففي أعقاب إعلان ترامب عن احتمال استئناف المحادثات مطلع أوت، سجلت أسعار خام برنت تراجعا حادا تجاوز 4% في جلسة واحدة، في مؤشر على حساسية الأسواق الشديدة لأي بادرة تهدئة أو تصعيد في الملف.

وبينما يصر ترامب على أن الحصار البحري الأمريكي يفرض ضغطا اقتصاديا متصاعدا على طهران، ويطالبها علنا بأن "ترفع الراية البيضاء"، تؤكد إيران في المقابل أنها أدت واجبها في تأمين الملاحة الدولية عبر المضيق، لكنها لن تسمح بتحويله إلى أداة ضغط على أمنها القومي، في وقت لا يزال فيه الممر عمليا مغلقا أمام قدر كبير من حركة الشحن والنفط.

بعد ستة أشهر، يرى مراقبون إن واشنطن لم تنجح في تحقيق مكسب سياسي حاسم. أما إيران فرغم أنها سجلت خسائر بشرية ومادية، لكن نظامها لم يسقط ولم يستسلم كما طالب ترامب في بداية الحملة. وبينما تدرك الإدارة الأمريكية أن مزيدا من الضربات لن يجبر طهران على تقديم تنازلات، يبدو أن عودة واشنطن مؤخرا إلى سياسة العقوبات والضغط الاقتصادي هي خطوة تصعيدية جديدة، في وقت لا يلوح فيه أي أفق واضح لإنهاء صراع توقعت أمريكا له أن يُحسم في أسابيع معدودة.

الأسلحة الأمريكية

على صعيد متصل اثار تسارع نقل الذخائر الأمريكية إلى الشرق الأوسط واستخدام كميات ضخمة منها خلال حرب إيران مخاوف لدى مخططي الجيش الأمريكي من أن يؤدي استنزاف القوة النارية إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن نفسها في مواجهة تهديدات محتملة من الصين وروسيا، وفقاً لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أمريكيين.

ووصلت عمليات السحب من المخزونات إلى مستويات حادة، لدرجة أن مخزونات الولايات المتحدة في أوروبا من صواريخ الاعتراض PAC-3 Patriot وصواريخ ATACMS أرض-أرض، باتت توصف بأنها عند مستويات "تتجاوز حد الخطر"، بحسب المسؤولين.

وتوقفت الولايات المتحدة وإيران إلى حد كبير عن شن هجمات مباشرة خلال الأسابيع الماضية، لكن إعادة ملء مخزونات الأسلحة الأمريكية التي جرى نقلها من دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا قد تستغرق سنوات، ما يترك ثغرات في الانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، حتى مع تراجع احتمالات التهديدات الصينية أو الروسية، وفق المسؤولين العسكريين الأمريكيين.

مخزونات الأسلحة في أوروبا

إلى جانب صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، تراجعت مخزونات أسلحة أخرى متمركزة في أوروبا إلى مستويات منخفضة للغاية، من بينها صواريخ الضربات الدقيقة والصواريخ الموجهة، بحسب المسؤولين.

كما جرى إرسال صواريخ "ثاد" المضادة للصواريخ، وأنظمة Merops لمكافحة الطائرات المسيّرة من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ما أدى إلى مزيد من تقليص الإمدادات المتاحة في القارة.

ودفعت هذه المخزونات المتقلصة القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي إلى تعديل خططها العملياتية، وفق المسؤولين.

كما دفعت هذه التطورات مسؤولي الإدارة الأمريكية بشكل متزايد، إلى تقييم أن الولايات المتحدة قد لا تتمكن من تنفيذ خطط الطوارئ بالكامل للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لغزو صيني في المستقبل القريب، وفقا لما أوردته "وول ستريت جورنال" سابقا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115