لم يعد ضخّ التمويلات كافيًا لإنقاذ المؤسسات أو دفعها نحو النمو. لقد اثبتت التجارب أن الإشكال لا يكمن دائمًا في نقص الموارد المالية، بل في غياب التأطير والمرافقة القادرة على تحويل الأفكار إلى نماذج أعمال قابلة للحياة. في هذا السياق، يأتي إطلاق شباك "نموّ" كخطوة تعكس وعيًا متزايدًا بضرورة تغيير مقاربة دعم المؤسسات في تونس، عبر التركيز على بناء القدرات بدل الاكتفاء بالتمويل.
"نموّ" ضمن مشروع "وطني": شراكة دولية برهانات محلية
يندرج هذا الشباك ضمن مشروع "وطني" تنفذه " Expertise France " بالتعاون مع صندوق الودائع والأمانات. هذه الشراكة تعكس توجّهًا نحو الاستفادة من الخبرات الدولية في مجال دعم المؤسسات، لكن التحدي الحقيقي يبقى في مدى قدرة هذه البرامج على التكيّف مع خصوصيات الاقتصاد التونسي، الذي يختلف في بنيته وتحدياته عن النماذج الأوروبية.
الحلقة المفقودة في ريادة الأعمال
رغم تعدد آليات التمويل في تونس، لا تزال العديد من المؤسسات الناشئة تفشل في سنواتها الأولى. السبب لا يعود فقط إلى ضعف الفكرة أو السوق، بل إلى غياب المرافقة الفعالة التي تشمل التوجيه الاستراتيجي، والتدريب، وربط العلاقات المهنية. المرافقة هنا ليست خدمة ثانوية، بل عنصر حاسم في تقليص نسب الفشل، خاصة في المراحل الأولى التي تكون فيها المؤسسة أكثر هشاشة.
لقد أثبتت الحاضنات ومسرّعات الأعمال في دول مثل فرنسا وألمانيا، دورها في تحسين فرص بقاء الشركات الناشئة، وهذه الهياكل لا تكتفي بتمويل المشاريع، بل تعمل على تطوير مهارات رواد الأعمال، ومساعدتهم على صياغة استراتيجيات نمو واضحة، وقد أظهرت هذه التجارب أن المؤسسات التي تستفيد من مرافقة مكثفة تكون أكثر قدرة على التوسع والصمود أمام الأزمات، في المقابل تواجه المؤسسات في الناشئة في تونس، جملة من التحديات المتشابكة، ابرزها صعوبة النفاذ إلى الأسواق وضعف الخبرة في إدارة النمو، كما تجد ومن جهتها المؤسسات الكبرى نفسها مطالبة بإعادة هيكلة نماذجها لمواكبة التحولات الرقمية. في الحالتين، يمكن أن تلعب برامج المرافقة دورًا مهمًا في دعم عمليات التحول، من خلال تقديم خبرات خارجية ورؤى جديدة تساعد على اتخاذ قرارات استراتيجية أكثر جرأة وفعالية.
الطموح ورهانات نجاح "نموّ"
رغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها يظل مرتبطًا بجودة التنفيذ. فالمرافقة ليست خدمة جاهزة يمكن تعميمها، بل عملية دقيقة تتطلب فهمًا عميقًا لاحتياجات كل مؤسسة. كما أن استدامة هذه البرامج تطرح تساؤلات جدية، خاصة إذا كانت مرتبطة بتمويلات خارجية محدودة زمنياً.
يمثل شباك "نموّ" خطوة مهمة نحو إعادة التفكير في سياسات دعم المؤسسات في تونس. غير أن الرهان الأكبر لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في قدرتها على تحقيق أثر ملموس ودائم. فإذا نجحت هذه التجربة في ترسيخ ثقافة المرافقة وتحويلها إلى أداة استراتيجية، فقد تكون بداية لتحول أعمق في النسيج الاقتصادي. أما إذا بقيت في إطار المبادرات الظرفية، فإن الفجوة التي تعاني منها المؤسسات ستظل قائمة، مهما تعددت برامج الدعم.