لم يعد الميدان ساحة للمواجهة العسكرية فحسب، بل تحول إلى ساحة "اشتباك سرديات". وإذا كانت "إسرائيل" تمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، فإنها تواجه اليوم ما هو أخطر، "كاميرا الهاتف" و"بث مباشر" لصحفيين يرفضون الانكسار.
منذ اندلاع العدوان الصهيوني على لبنان ، تعرض الجسم الإعلامي في لبنان لضربات وجرائم صهيونية غادرة استهدفت طواقم إعلامية كانت تمارس عملها المهني في مناطق حدودية ، وتجاهلت هذه الجرائم الموقعة بيد الاحتلال كل المواثيق الدولية التي تمنح الصحفيين حصانة خاصة أثناء النزاعات والحروب.
وتضم قائمة شهداء الصحافة في لبنان أسماء عديدة قدمت دماءها على مذبح الحقيقة من بينهم الصحفي عصام العبدالله من وكالة رويترز الذي استشهد في استهداف مباشر لسيارة الصحفيين في علما الشعب. وفرح عمر وربيع معماري من قناة الميادين ، وقد استشهدا في غارة غادرة أثناء تغطيتهما من مثلث طيرحرفا. وأخيرا الصحفية آمال خليل التي التحقت بقافلة المجد، لتكون صوتا للجنوب حتى الرمق الأخير.
ولم تكتفِ إسرائيل بالغارة على مبنى احتمت فيه الصحفيتين في جنوب لبنان آمال خليل وزينب فرج، بل وثقت وزارة الصحة اللبنانية ومنظمات دولية مثل "مراسلون بلا حدود" تعمّد إطلاق النار على سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر ومنع وصول فرق الإغاثة لساعات . وتتزامن هذه الجريمة الصهيونية الجديدة مع محادثات تجري في واشنطن برعاية أمريكية لتمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب لمدة 10 أيام.
إن استهداف الزميلة الصحفية اللبنانية آمال خليل في جنوب لبنان بعد تركها تنزف لساعات طويلة وبإصرار صهيوني على منع وصول سيارات الإسعاف لنجدتها مع رفيقتها، هو جريمة حرب جديدة تضاف الى سلسلة جرائم الاحتلال الذي تعوّد على اغتيال قوافل من الإعلاميين في لبنان وغزة ، في سياق استراتيجية مدروسة لـ "كي الوعي" وطمس الحقيقة لإفراغ الميدان من شهوده .
فالمفارقة ان اغتيال الصحفية آمال خليل تم في بلدة الطيري الواقعة ضمن منطقة "الخط الأصفر" التي أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إقامتها في جنوب لبنان، بعد سريان هدنة مع حزب الله. فوجود خليل بعدستها وقلمها كان يمثل تهديدا مباشرا وفضحا لكل المخططات الصهيونية في تلك المنطقة .
وحذر جيش الاحتلال سكان عشرات البلدات بينها الطيري من العودة إليها. فيما استنكرت منظمات غير حكومية مقتل خليل التي شيعت عصر امس الخميس في مسقطها بلدة البيسارية في جنوب لبنان.
لسنوات طويلة، ومنذ قيام دولة الاحتلال الصهيوني منذ نكبة 48 ،سيطرت الرواية الصهيونية على الإعلام الغربي. اليوم، وبفضل تطور وسائل التواصل الاجتماعي وشجاعة المراسلين الميدانيين، تصل الصورة كما هي وبشكل فوري، مما يكشف زيف ادعاءات "جيش الاحتلال الصهيوني ".
فالمعركة اليوم هي معركة الصورة بامتياز ، ويدرك المحتل أن خسارة معركة السردية الدولية تعني خسارة " المرتكزات التي يستند اليها لاستنهاض الدعم الغربي ". لذلك فإن اغتيال الصحفي هو محاولة لقطع صوت الحقيقة قبل أن يصل الصدى إلى الضمير العالمي.
كما تهدف "إسرائيل" من خلال رفع كلفة العمل الصحفي واستباحة دماء الصحفيين إلى دفع المؤسسات الإعلامية للانسحاب من المناطق الساخنة، مما يترك الميدان مسرحا لجرائمها دون توثيق وهذا ما حصل في منطقة الطيري الجنوبية.
قبل سنوات، كان الخبر يمر عبر رقيب وكالات الأنباء الدولية، لكن اليوم، بات الصحفي الميداني قادرا على مخاطبة العالم مباشرة. فقد نجح الإعلاميون في تجاوز قيود "خوارزميات" التواصل الاجتماعي عبر ابتكار طرق لنشر الوعي بالقضية، مما جعل المجازر الصهيونية تتصدر الـ "ترند" العالمي رغم محاولات الحجب. ولم يعد المحتل قادرا على إنكار قصف مستشفى أو كنيسة أو سيارة إسعاف، فالفيديو يسبق النفي الرسمي الصهيوني بدقائق.
كل ذلك ساهم في صناعة رأي عام عالمي مساند ومتعاطف مع قضية فلسطين العادلة أكثر من أي وقت مضى ، فحركات التضامن التي شهدتها جامعات العالم من أمريكا إلى أوروبا لم تتحرك إلا بناء على "المادة " والتقارير الإعلامية الموثوقة التي قدمها الصحفيون في الميدان، مما حول المراسل من مجرد ناقل للخبر والمشاهد إلى "مقاتل بالكلمة" في معركة الوعي الكونية.
إن رصاصة المحتل التي تخترق أجساد الصحفيين هي في الحقيقة اعتراف بفشله أمام "قوة المنطق" و" الحقيقة". آمال خليل ورفاقها لم يرحلوا، بل تحولت أسماؤهم إلى عناوين عريضة في كتاب "السردية الوطنية" التي لن تُقهر أمام آلة القتل الصهيونية.
ويؤكد استشهاد الصحفيين في لبنان أننا أمام "معركة وعي" بامتياز. فالعدو المحتل لا يريد فقط قتل البشر، بل يريد قتل "الرواية" التي تؤكد انتماء هذه الأرض لأهلها، لكنه يغفل أن دماء الصحفيين تتحول إلى حبر يكتب تاريخا لا يمكن محوه.
حصيلة الأرقام والانتهاكات الصهيونية للصحفيين
تجاوز الجسم الإعلامي في لبنان وفلسطين أرقاما قياسية هي الأعلى تاريخيا في فترات زمنية قصيرة. وتشير تقارير المنظمات الحقوقية مثل مراسلون بلا حدود إلى أن العديد من الغارات تمت في مواقع إحداثياتها معروفة كـ"نقاط تجمع للصحفيين".
كما تم قصف وتدمير مقرات إعلامية ومكاتب قنوات فضائية في محاولة لشل القدرة الإنتاجية للإعلام المقاوم من بينها قناتي المنار وإذاعة النور في لبنان واستهداف مبنى الميادين في الحرب السابقة على لبنان.
والمفارقة ان المركز الوطني للبحوث العلمية وثقّ تدمير 428 وحدة سكنية في غضون 3 أيام فقط من "الهدنة". فالهدف الإسرائيلي واضح وجلي وهو فرض واقع جغرافي جديد من خلال الخط الأصفر بعمق 5-10 كم داخل الأراضي اللبنانية، وقتل الصحفيين يأتي في سياق منع أي توثيق صحفي لما يجري من عمليات هدم وتجريف وتطهير مكاني في هذه القرى .
الحصيلة الإجمالية في لبنان
ارتفع عدد الشهداء من الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي في لبنان منذ بداية المواجهات في أكتوبر 2023 وحتى هذه اللحظة إلى 7 شهداء سقطوا في غارات واستهدافات مباشرة، وهم:
عصام عبدالله من وكالة رويترز استشهد في 13 أكتوبر 2023 في بلدة علما الشعب جراء قذيفة إسرائيلية استهدفت تجمعاً للصحفيين.
فرح عمر من قناة الميادين استشهدت في 21 نوفمبر 2023 في غارة استهدفت طاقم القناة في مثلث طيرحرفا.
ربيع معماري من قناة الميادين، استشهد في نفس الغارة مع زميلته فرح عمر في طيرحرفا.
علي شعيب من قناة المنار استشهد في 28 مارس 2026 في غارة استهدفت سيارته في منطقة جزين.
فاطمة فتوني من قناة الميادين استشهدت في نفس الغارة التي استهدفت علي شعيب في منطقة جزين في 28 مارس 2026.
محمد فتوني (مصور) استشهد متأثراً بجراحه في نفس استهداف منطقة جزين.
آمال خليل من جريدة الأخبار وهي آخر المنضمين للقافلة، حيث استشهدت يوم أمس 22 أفريل 2026 في غارة استهدفت منزلا احتمت به في بلدة الطيري، مع توثيق تعمد عرقلة طواقم الإسعاف للوصول إليها.
الحصيلة في غزة
أما في قطاع غزة، فالحصيلة مرعبة وغير مسبوقة تاريخيا، حيث تجاوز عدد الصحفيين الشهداء 254 صحفيا وصحفية منذ بدء الحرب.
عالميا ، صنف عام 2025 كواحد من أخطر الأعوام على الصحفيين، حيث سجلت لجنة حماية الصحفيين مقتل 129 صحفيا حول العالم، كانت "إسرائيل" مسؤولة عن ثلثي هذا العدد بسبب القتل المستهدف في غزة ولبنان.
لبنان يدين تعمّد "إسرائيل" استهداف الصحافيين ويعتبره "جريمة حرب"
ندّد المسؤولون اللبنانيون امس الخميس بـ"تعمّد" إسرائيل استهداف إعلاميين، معتبرين أنه يرقى الى "جريمة حرب"، غداة مقتل صحافية بغارة نفذتها الدولة العبرية وإعاقة عملية وصول فرق الإسعاف لإنقاذها.
واستشهدت الأربعاء الصحافية والمراسلة الميدانية في جريدة الأخبار آمال خليل وأصيبت المصورة المستقلة زينب فرج بجروح، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلا احتمتا فيه ببلدة الطيري، بعد تعرض سيارة أمامهما لغارة اسرائيلية.
وقال الرئيس اللبناني جوزاف عون إن "تعمّد اسرائيل دائما استهداف الإعلاميين بشكل مباشر هدفه إخفاء حقيقة ارتكاباتها العدوانية ضد لبنان، فضلا عن كونها جرائم ضد الإنسانية".
واعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أنّ "استهداف الصحافيين، وعرقلة وصول الفرق الإغاثية اليهم، بل واستهداف مواقعهم مجددا بعد وصول هذه الفرق، يشكّل جرائم حرب موصوفة".
وخليل (42 عاما) صحافية ومراسلة من جنوب لبنان، بدأت عملها في صحيفة الأخبار منذ انطلاقها صيف 2006. وخلال عقدين، روت خليل قصص الجنوب وناسه في أيام السلم كما في جولات الحرب مع اسرائيل. وعُرفت بشجاعتها وإقدامها وحظيت باحترام واسع من زملائها.
واحتمت الصحافيتان في مبنى مجاور، استهدفته لاحقا غارة اسرائيلية. ووصلت فرق الإسعاف الى المكان وسحبت جثتي القتيلين من السيارة والمصورة المصابة. الا أنها لم تتمكن من بلوغ خليل جراء إطلاق الجيش الإسرائيلي "قنبلة صوتية على سيارة الاسعاف" واستهدافها "بالرصاص"، وفق وزارة الصحة. وبعد ساعات، دخلت فرقة إسعاف بمواكبة الجيش اللبناني وآلية عملت على رفع الأنقاض، حيث تمّ انتشال جثة خليل.
وندّدت وزارة الصحة امس الخميس بما وصفته بـ"خرق فاضح مزدوج تمثل بعرقلة جهود إنقاذ مواطنة معروفة بنشاطها الاعلامي المدني، فضلا عن استهداف سيارة إسعاف تحمل بوضوح شارة الصليب الأحمر".
الخط الأصفر
وتقع الطيري ضمن منطقة "الخط الأصفر" التي أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إقامتها في جنوب لبنان، بعد سريان هدنة مع حزب الله. وحذر الجيش سكان عشرات البلدات بينها الطيري من العودة إليها. واستنكرت منظمات غير حكومية مقتل خليل التي شيعت عصر الخميس في مسقطها بلدة البيسارية في جنوب لبنان. ودعت هيومن رايتس ووتش في بيان الى "إجراء تحقيق موثوق" في مقتل الصحافية "على يد إسرائيل، بما يفضي إلى تحقيق العدالة والمساءلة"، مذكّرة بأن "الاستهداف المتعمد للمدنيين يُعد جريمة حرب". وقالت منظمة مراسلون بلا حدود إن تسلسل الضربات يشير إلى "استهداف متعمّد وعرقلة لعمليات الإنقاذ، ما قد يشكّل جرائم حرب". ومنذ بدء الحرب بين حزب الله واسرائيل في 2023، استهدفت اسرائيل مرارا فرقا صحافية أثناء عملها في جنوب لبنان.
ودعا خبراء في الأمم المتحدة الشهر الحالي إلى إجراء تحقيق دولي بمقتلهم، منددين "بما بات يشكّل ممارسة متكررة وخطيرة من جانب إسرائيل تتمثل في استهداف الصحافيين وقتلهم، ثم الادعاء لاحقا، من دون تقديم أدلة موثوقة، بوجود صلة لهم بجماعات مسلّحة".
تمديد وقف إطلاق النار
في الأثناء، تستضيف الولايات المتحدة اجتماعا ثانيا بين السفيرين اللبناني وسفير الاحتلال الإسرائيلي ، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" وحزب الله، بعد مقتل خمسة أشخاص على الأقل، بينهم صحفية، في غارات إسرائيلية أمس.
وأدى وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه بوساطة أمريكية، والمقرر أن ينتهي يوم الأحد، إلى تراجع ملحوظ في وتيرة التصعيد، لكن الهجمات استمرت في جنوب لبنان حيث سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلية على منطقة عازلة أعلنتها من جانب واحد.
- تدمير 428 وحدة سكنية في غضون 3 أيام من "الهدنة" مع لبنان
- الاحتلال يفرض واقعا جغرافيا جديدا عبر الخط الأصفر ويستهدف الصحفيين لمنع التوثيق