منطقة الشرق الأوسط، أعلنت باكستان أنّ الولايات المتحدة وإيران أبدتا استعدادا مبدئيا لعقد جولة جديدة من المفاوضات، دون تحديد مكان أو موعد رسمي حتى الآن. ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة تشابكا واضحا بين ملفات الحرب في لبنان، والتوتر الإيراني–الأمريكي، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من جبهة.
يستعرض هذا الملف المشهد الدبلوماسي والميداني المتفجر في الشرق الأوسط، ويسلطا الضوء على المساعي الباكستانية الحثيثة لكسر الجمود السياسي بين الولايات المتحدة وإيران عبر جولة مفاوضات جديدة. وتأتي هذه التحركات في توقيت حرج تتداخل فيه الملفات بشكل غير مسبوق، حيث ترتبط فرص نجاح الحوار بمدى استقرار الوضع في لبنان، الذي يرزح تحت وطأة عدوان صهيوني عسكري مستمر منذ مارس الماضي وخلف خسائر بشرية وإنسانية هائلة.
استئناف الحوار
وبحسب تصريح مسؤول في وزارة الخارجية الباكستانية ، فإن الاتصالات الدبلوماسية بين الأطراف المعنية لا تزال مستمرة، وأن هناك ''إرادة سياسية أولية'' لاستئناف الحوار بين واشنطن وطهران، رغم عدم التوصل إلى صيغة نهائية بشأن آليات أو جدول المفاوضات. ولم تكشف الخارجية الباكستانية عن تفاصيل إضافية، بما في ذلك طبيعة القضايا المطروحة أو مستوى التمثيل المتوقع في أي جولة مقبلة.
وفي هذا السياق، أشار المسؤول الباكستاني إلى أن لبنان لا يزال ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدا أنّ ''استقرار لبنان يمثل شرطا أساسيا لإنجاح أي مسار تفاوضي أوسع في المنطقة''. غير أنّ هذا الطرح يتقاطع مع مواقف مختلفة أعلنتها أطراف دولية، حيث تعتبر كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" أنّ هذا المسار لا يشمل لبنان ضمن ترتيبات الهدنة، في حين تؤكد أطراف أخرى عكس ذلك، ما يعكس استمرار الخلاف حول نطاق الاتفاقات القائمة.
لبنان في قلب معادلة إقليمية مفتوحة
يتزامن هذا السجال الدبلوماسي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان منذ مارس الماضي، والتي أسفرت، بحسب بيانات رسمية، عن استشهاد اكثر من 2167 شخصًا وإصابة نحو 7061 آخرين، إضافة إلى نزوح ما يزيد عن مليون شخص. هذه الأرقام تعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة حتى الآن.
وفي المقابل، تستمر المواجهات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله، الذي يشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية، ردا على العمليات العسكرية المتواصلة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في نوفمبر 2024، والذي لم يطبق بشكل كامل على الأرض بحسب مراقبين.
تحركات دبلوماسية
في موازاة ذلك، نقلت مصادر إعلامية عن استعدادات لزيارة مرتقبة لرئيس أركان الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى واشنطن، في إطار جهود الوساطة الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية بملف الحرب في إيران. وتأتي هذه الزيارة بعد جولة دبلوماسية أجراها المسؤول العسكري الباكستاني في طهران، التقى خلالها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حيث تم بحث سبل تهيئة الظروف لجولة تفاوض ثانية بين واشنطن وطهران.
وتشير المعطيات إلى أن هذه التحركات تأتي ضمن مسار دبلوماسي غير مباشر، يعتمد على تبادل الرسائل بين الأطراف، وهو ما يعكس استمرار غياب قناة تفاوض مباشرة وعلنية بين الولايات المتحدة وإيران، رغم الحاجة الملحة لاحتواء التصعيد العسكري.
وكانت جولة سابقة من المحادثات قد انتهت دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وسط تبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بشأن مسؤولية تعثرها. كما سبق أن أعلنت الأطراف المعنية عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، بوساطة باكستانية، في محاولة لتهيئة مناخ تفاوضي أوسع، إلا أن غياب الاتفاقات الدائمة أبقى الوضع مفتوحًا على احتمالات التصعيد.
ويرى مراقبون أن تعدد الملفات المتداخلة—من لبنان إلى إيران—يعكس طبيعة المشهد الإقليمي الحالي، حيث تتقاطع النزاعات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية بشكل غير مسبوق، ما يجعل أي تسوية مستقبلية مرهونة بتفاهمات أوسع من مجرد وقف إطلاق نار محدود أو جولة مفاوضات منفردة.
بين الدبلوماسية والواقع الميداني
في المحصلة، تبدو الجهود المبذولة جزءا من حراك دولي أوسع يهدف إلى احتواء التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن غياب التفاصيل الرسمية بشأن موعد ومكان المفاوضات المقبلة يعكس هشاشة المرحلة الحالية.
وبينما تتكثف التحركات الدبلوماسية خلف الكواليس، يبقى الواقع الميداني في لبنان والمنطقة عنصر ضغط رئيسي على جميع الأطراف، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتفاقم الخسائر البشرية، وتعقّد فرص التوصل إلى تسوية شاملة في المدى القريب.
تقديرات تكلفة حرب إيران
على صعيد متصل قال مدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوت إنه لا يستطيع تقدير تكلفة الحرب مع إيران، وذلك في معرض دفاعه عن طلب الرئيس دونالد ترامب لميزانية عسكرية سنوية ضخمة تبلغ 1.5 تريليون دولار.
وواجه طلب ترامب انتقادات من المشرّعين في الحزبين الديمقراطي والجمهوري الذين شكوا من الغياب الدائم للمساءلة المالية لوزارة الدفاع (البنتاغون).وذكر فوت في جلسة استماع للجنة الميزانية بمجلس النواب "لسنا جاهزين لتقديم طلب إليكم. ما زلنا نعمل على ذلك. نعمل على تحديد المطلوب… ليس لدي تقدير تقريبي".
وتظل تكلفة حرب إيران، التي بدأها ترامب بالتعاون مع إسرائيل في 28 فيفري، مثار جدل في الكونغرس. وقوبل طلب أولي لضخ تمويل إضافي من أجل الحرب بقيمة 200 مليار دولار بمعارضة شديدة في الكونغرس الشهر الماضي.
ومثُل فوت أمام اللجنة لمناقشة الميزانية المقترحة من ترامب للسنة المالية 2027، والتي تتضمّن زيادة قدرها 500 مليار دولار في الإنفاق العسكري، وخفضا يبلغ 10 في المائة في البرامج غير الدفاعية.
ويشكل هذا الطلب تحوّلا في أولويات الحزب الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر التي يأمل فيها الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، لكنهم يواجهون قلقا عاما متزايدا من تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.و اعترض الديمقراطيون على تصريح فوت بأن برامج الرعاية الصحية والتعليم وإعانة الطاقة لذوي الدخل المنخفض تشهد حالات احتيال.
وقالت النائبة الديمقراطية براميلا جايابال عن ولاية واشنطن "أنا سعيدة جدا لأنك سألت عن الاحتيال، لأنك تعود لتطلب ميزانية بقيمة 1.5 تريليون دولار لوزارة الدفاع… وزارة الدفاع هي الإدارة الاتحادية الوحيدة التي لم تجتز أبدا أي تدقيق مالي… لكنك لا تحقق في أي من ذلك".
وذكر فوت أن الإدارة تتعقب "حالات انعدام الكفاءة" في البنتاغون.وقال النائب الجمهوري غلين غروثمان "لا أعتقد أنكم تبذلون ما يكفي من الجهد”، ودعا إلى استكمال تدقيق يتعلق بالبنتاغون قبل تصويت الكونغرس على الإنفاق الدفاعي.وأضاف غروثمان النائب عن ولاية ويسكونسن “هناك الكثير من الغطرسة في تلك الوزارة… إنهم بكل بساطة يقولون إننا لسنا مضطرين لإجراء التدقيق. نحن مهمون للغاية ولا نبالي برأي الكونغرس".
وتشير بيانات مكتب الميزانية غير الحزبي في الكونغرس إلى أن مشروع القانون هذا، الذي يمدد تخفيضات ضريبية تعود لعام 2017، سيزيد العجز في الميزانية الأمريكية خلال العقد المقبل بواقع 4.7 تريليون دولار، في حين سيضيف تخفيض الهجرة 500 مليار دولار أخرى إلى العجز.
المفاوضات المباشرة
على صعيد متصل أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون أن وقف إطلاق النار سيكون المدخل الطبيعي للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.ونقلت "الوكالة الوطنية للإعلام" أمس الخميس عن عون قوله ، خلال استقباله وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر ، إن "وقف إطلاق النار الذي يطالب به لبنان مع إسرائيل سيكون المدخل الطبيعي للمفاوضات المباشرة بين البلدين وفق المبادرة الرئاسية التفاوضية".
وأكد "حرص لبنان على وقف التصعيد في الجنوب وفي كل المناطق اللبنانية ليتوقف استهداف الأبرياء والآمنين، نساء ورجالا وأطفالا، ويتوقف تدمير المنازل في القرى والبلدات اللبنانية". وأوضح عون أن" التفاوض تتولاه السلطات اللبنانية وحدها لأنه مسألة سيادية لا يمكن إشراك أحد بها" ، مؤكدا أن" انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية خطوة أساسية لتثبيت وقف إطلاق النار من جهة، ولإعادة انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وبسط سلطة الدولة بشكل كامل وإنهاء أي مظاهر مسلحة".
وشدد الرئيس عون على أن" القرارات التي اتخذتها الحكومة لاسيما تلك المتعلقة بحصرية السلاح، ستنفذ لما فيه مصلحة لبنان وتأمينا لحماية جميع اللبنانيين التواقين إلى رؤية دولتهم مسؤولة وحدها عن حفظ الأمن والاستقرار والسلامة العامة في البلاد".
وأعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزاف عون أجرى مكالمة هاتفية، امس الخميس، مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، من دون أن تشير إلى أي اتصال بين عون ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي. وذلك عقب إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،إلى أن اتصالا بين الجانبين سيجرى الخميس.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن عون أبلغ روبيو أنه لن يتحدث إلى نتنياهو، وكانت مصادر إعلامية أخرى قد أشارت إلى أن الوزير الأمريكي كان يرغب في إجراء مكالمة مع عون على أن ينضم نتنياهو إلى الاتصال.
كما نقلت وكالة ''رويترز'' عن مسؤولين لبنانيين، أن السفارة اللبنانية في واشنطن أبلغت الإدارة الأمريكية، بأن الرئيس عون لن يتحدث مع نتنياهو في المستقبل القريب.
وقد بحث عون مع "روبيو" جهود واشنطن للتوصل إلى وقف إطلاق نار مع إسرائيل، وفق بيان للرئاسة اللبنانية، كما شكره على “الجهود التي تقوم بها واشنطن من أجل التوصل لوقف إطلاق النار، ودعمها على كافة المستويات”.
وأشار البيان إلى أن عون أكد "أن التفاوض تتولاه السلطات اللبنانية وحدها لأنه مسألة سيادية لا يمكن إشراك أحد بها"، وأن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية "خطوة أساسية لتثبيت وقف إطلاق النار، ولإعادة انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وبسط سلطة الدولة بشكل كامل وإنهاء أي مظاهر مسلحة".