13 مليون نازح والحرب تدخل عامها الرابع السودان يواجه أزمة إنسانية غير مسبوقة ويتصدر قائمة الاحتياج العالمي

مع دخول السودان عامه الرابع في أتون الحرب

تتكشف ملامح مرحلة جديدة من الصراع لا تقل تعقيدا عن بداياته، بل ربما تفوقها خطورة. فالمواجهة التي اندلعت في 15 أفريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد صدام عسكري تقليدي، بل تحولت إلى حرب متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع رهانات السياسة وتتوسع فيها رقعة الاشتباك جغرافيا وتكنولوجيًا.
ورغم أن العاصمة الخرطوم بدأت تستعيد شيئا من مظاهر الحياة بعد أن أحكم الجيش سيطرته عليها في ماي 2025، إلا أن هذا التطور لا يعكس نهاية الصراع بقدر ما يشير إلى انتقاله من المركز إلى الأطراف. إذ يؤكد مراقبون أنّ الحرب التي كانت تحسم في شوارع المدن الكبرى، باتت اليوم تدار على مساحات أوسع، خاصة في أقاليم دارفور وكردفان، حيث تتخذ شكل استنزاف طويل الأمد.
ومثلت استعادة الخرطوم نقطة تحول بارزة في مسار القتال، إذ مكنت الجيش من إعادة بسط نفوذه على مؤسسات الدولة وإعلان عودة الحكومة إلى العاصمة مطلع عام 2026، بعد فترة انتقالية اتخذت فيها من بورتسودان مقرا مؤقتا. غير أن هذا التقدم الميداني ترافق مع تراجع قوات الدعم السريع نحو الغرب، حيث أعادت تموضعها في دارفور وأجزاء من كردفان، لتفتح جبهات جديدة أكثر تعقيدا وأقل قابلية للحسم السريع.

أمّا فقد في دارفور، بلغ التصعيد ذروته مع سيطرة "الدعم السريع" على مدينة الفاشر، ما منحها أفضلية ميدانية في الإقليم، رغم استمرار المواجهات في بعض الجيوب. هذه السيطرة لم تكن مجرد مكسب عسكري، بل حملت أبعادا إنسانية خطيرة، إذ تسببت في موجات نزوح واسعة نحو دول الجوار، وسط اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة.
أما في كردفان، فقد تحوّلت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والاقتصادية، خاصة مع وجود حقول النفط الإستراتيجية. ورغم نجاح الجيش في فكّ الحصار عن بعض المدن، فإنّ المشهد العام لا يزال يتّسم بالتقلب، مع استمرار الاشتباكات وتبدل خطوط السيطرة.
ولم تعد الحرب مقتصرة على المواجهات البرية، إذ برزت الطائرات المسيّرة كعامل حاسم غيّر طبيعة القتال. فقد انتقل الصراع من معارك مباشرة إلى ضربات دقيقة تستهدف البنية التحتية وخطوط الإمداد، بل وتمتد أحيانا إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة. هذا التحول لم يرفع فقط من كلفة الحرب، بل زاد أيضا من معاناة المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم في مرمى نيران لا يمكن التنبؤ بها.
أزمة إنسانية غير مسبوقة
في موازاة ذلك، تتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة، فملايين السودانيين يواجهون خطر المجاعة، فيما أدى النزاع إلى نزوح جماعي داخلي وخارجي، في ظل صعوبات كبيرة تعيق وصول المساعدات. وتشير التقديرات إلى أن أعداد المحتاجين للدعم الإنساني بلغت مستويات قياسية، ما يعكس عمق الكارثة التي خلفها استمرار القتال.
إذ أفاد تقرير مشترك للجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الإدماج الإنسانية بأن النزاع أدى خلال ثلاث سنوات إلى نزوح اكثر من 13 مليون شخص، وأن 26 مليونا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج 33.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، من بينهم 7.4 ملايين نازح.

وفي السياق ذاته، أشار المجلس النرويجي للاجئين إلى أن غالبية الأسر اضطرت إلى تقليص عدد وجباتها اليومية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل.وفي جانب آخر، شهدت الخرطوم خلال الأيام الماضية ارتفاعا ملحوظا في أسعار الوقود والخبز والسلع والخدمات، بالتزامن مع تراجع قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، حيث بلغ سعر الدولار نحو 400 جنيه في السوق الموازية للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.
ومع تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية في بعض المناطق، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة عن عودة نحو 3.99 ملايين شخص إلى مناطقهم حتى افريل الجاري، يشكل النازحون داخليا 83% منهم، والعائدون من الخارج 17%، مع تركز هذه العودة في ولايتي الخرطوم والجزيرة، في حين لا يزال أكثر من 13 مليون شخص بين نازح ولاجئ، منهم نحو 9 ملايين داخل البلاد.
ويرى خبراء أن آفاق الحل لا تبدو قريبة فالمبادرات الإقليمية والدولية، منذ انطلاق محادثات جدة، لم تنجح في تحقيق اختراق حقيقي، وظلت الهدن المؤقتة عرضة للانهيار. كما أن الطروحات الأخيرة، سواء من الأطراف الدولية أو من الحكومة السودانية، لم تتمكن من كسر حالة الجمود، في ظل تمسك كل طرف بشروطه الأساسية.
هذا ويدخل السودان عامه الرابع في الحرب وهو يواجه واقعا مركبا، بين تقدم ميداني في بعض الجبهات يقابله تصعيد في أخرى، وتحول في أدوات القتال يقابله تعثر في المسار السياسي، وأزمة إنسانية تتفاقم دون أفق واضح للحل. وبين هذه العوامل جميعا، يبدو أن الصراع لم يقترب بعد من نهايته، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال أكثر تعقيدًا، ما يجعل أي حديث عن تسوية شاملة رهين تغيرات لم تنضج بعد على الأرض.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115