في السابع من افريل 2026، تتكشف في قطاع غزة صورة قاتمة تعكس واحدة من أكثر الأزمات الصحية حدة في العصر الحديث، حيث تتقاطع تداعيات الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع انهيار شبه كامل للنظام الصحي، وسط أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
وبينما يرفع العالم شعارات الحق في العلاج والعدالة الصحية في يوم الصحة العالمي، تقف غزة على النقيض تماما حيث لا صوت يعلو فوق أنين الجرحى، ولا أولوية تتقدم على محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في منظومة صحية تتداعى تحت وطأة الحرب. هناك، لا يبدو هذا اليوم مناسبة للاحتفاء، بل مرآة قاسية تكشف عمق المأساة، حيث يتحول الحق في العلاج إلى امتياز نادر، وتصبح المستشفيات ساحات صراع مع الزمن والإمكانات الشحيحة.
في قطاع أنهكته الضربات المتواصلة، فالمستشفيات المدمرة، ونقص الأدوية، وتكدس الجرحى، جميعها ترسم مشهدا إنسانيا بالغ القسوة، يدفع الأطباء والعاملين الصحيين والمنظمات المحلية والدولية إلى إطلاق نداءات استغاثة متكررة. وبينما تتسع فجوة الاحتياجات مقابل الموارد، يواجه آلاف المرضى مصيرا مجهولا، في ظل نظام صحي يقترب سريعا من نقطة اللاعودة.
واقع صحي ينهار تحت الضغط
من جهتها أعلنت وزارة الصحة في غزة عن حصيلة ثقيلة للوضع الصحي، إذ بلغ عدد الشهداء 72,208، فيما وصل عدد الجرحى إلى 172,068، من بينهم 21,524 طفلا. إذ لا تعكس هذه الأرقام فقط حجم الخسائر البشرية، بل تشير أيضا إلى الضغط الهائل الذي تتعرض له المنظومة الصحية، التي لم تعد قادرة على مواكبة التدفق المستمر للحالات الحرجة.
وأكدت الوزارة أنّ القطاع الصحي دخل مرحلة الانهيار شبه الكامل، نتيجة الاستهداف المباشر للبنية التحتية الطبية، إلى جانب النقص الحاد في الإمدادات. فقد بلغت نسبة العجز في الأدوية 50%، وارتفعت إلى 57% في المستهلكات الطبية، فيما وصلت إلى 71% في مواد الفحوصات المخبرية، ما يحد بشكل كبير من قدرة المستشفيات على التشخيص والعلاج.
وتظهر البيانات أن الخدمات التخصصية هي الأكثر تضررا، وعلى رأسها علاج الأورام، الذي يعاني من نقص في الأدوية التخصصية بنسبة 61%، في وقت يوجد فيه نحو 4,100 مريض بحاجة إلى متابعة مستمرة. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تعاني أقسام الرعاية الأولية، والأعصاب، والكلى، والجراحة، والعناية المركزة من نقص يتجاوز 40% في الأدوية الأساسية، ما يؤدي إلى تدهور الحالات المرضية وتقليص فرص النجاة.
وفي مؤشر خطير على تراجع الخدمات المتقدمة، توقفت عمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية بشكل كامل بسبب نفاد الإمكانات، كما سجلت مستلزمات جراحات العيون نقصا حادا بلغ 89%. وفي الوقت ذاته، انخفضت القدرة الاستيعابية لأسرة المستشفيات بأكثر من 55%، مع خروج 22 مستشفى و90 مركزا صحيا عن الخدمة.
إمكانيات محدودة
تتعمق الأزمة مع استمرار الضغط على ما تبقى من خدمات طبية، حيث يعمل 108 أجهزة غسيل كلى فقط لخدمة 676 مريضا، في ظل نقص كبير في خدمات الأشعة والأجهزة الطبية. كما سجل القطاع نحو 5,000 حالة بتر، من بينهم 980 طفلا، وجميعهم بحاجة إلى برامج تأهيل طويلة الأمد، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على نظام صحي شبه منهار وفق تقرير وزارة الصحة .
وفي سياق متصل، تتفاقم معاناة المرضى المحتاجين للعلاج خارج القطاع، إذ يبلغ عددهم 21,367 مريضا وجريحا على قوائم الانتظار، بينهم 195 حالة حرجة. وتشير البيانات إلى وفاة 1,517 مريضًا أثناء انتظارهم السفر لتلقي العلاج، ما يعكس التداعيات المباشرة للقيود المفروضة على الحركة والتنقل.
ولا تقتصر الأزمة على المستشفيات، بل تمتد إلى مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، حيث تتزايد معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالمياه والغذاء، في ظل ضعف أنظمة الترصد الصحي. كما أن احتجاز 83 من الكوادر الصحية في ظروف قاسية يزيد من الضغط على الطواقم العاملة، التي تعاني أصلًا من نقص حاد في الموارد البشرية.
وضع كارثي
في ظل تكدّس النفايات وانتشار الركام وتسرّب المياه العادمة بالقرب من مناطق النزوح، ومع بداية الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة، تتشكل في قطاع غزة بيئة خصبة لتفشي الأمراض والأوبئة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني القائم.
ولا تقتصر تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من عامين على الدمار الواسع وحالات النزوح وفقدان المأوى، بل تتجاوز ذلك لتأخذ أبعادًا صحية وبيئية بالغة الخطورة مع مرور الوقت. ويزداد الوضع تعقيدًا في ظل النقص الحاد في المياه، وغياب أبسط مقومات النظافة الشخصية، إلى جانب افتقار المخيمات المؤقتة إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية اللازمة للعيش الآمن.
وفي هذا السياق، حذر رئيس شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، أمجد الشوا، من تفاقم الأزمة الصحية والبيئية بشكل يومي، مؤكدا أن تداعيات الحرب الكارثية باتت تمس مختلف جوانب الحياة، بالتوازي مع تصاعد مشكلات تراكم النفايات والركام وتصريف المياه العادمة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يضاعف المخاطر على السكان، لا سيما في مراكز الإيواء ومناطق الخيام.
ومع استمرار هذه الظروف، تواجه آلاف العائلات التي تعيش بين الأنقاض تهديدات غير مرئية، تتجسد في انتشار القوارض داخل أماكن النوم، وتكاثر البعوض والذباب في محيطها، في مشهد يعكس حجم التدهور البيئي والإنساني المتسارع، وينذر بكارثة صحية قد تكون أكثر تعقيدا في المرحلة المقبلة.
تهديد مستمر
وتحذر وزارة الصحة من أن نقص الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية قد يؤدي إلى توقف الخدمات الصحية في أي لحظة، ما ينذر بكارثة أكبر. ومع غياب تدخل دولي فاعل، يتواصل تدهور الحق في الصحة، ليس فقط من خلال ارتفاع أعداد الضحايا المباشرين، بل أيضًا عبر زيادة معدلات الوفيات غير المباشرة بين المرضى والجرحى.
ووفق مراقبين تعكس هذه المؤشرات مجتمعة حالة انهيار مركب، لا تقتصر على الأضرار المادية، بل تمتد إلى تفكك القدرة التشغيلية للنظام الصحي بأكمله. فالنقص في الأدوية، وتعطل الخدمات التخصصية، وخروج المؤسسات الصحية عن الخدمة، جميعها عوامل تتفاعل لتنتج واقعًا صحيًا بالغ الخطورة.
وفي يوم يُفترض أن يحتفي فيه العالم بحق الإنسان في العلاج والرعاية الصحية، تبدو غزة نموذجا صارخا لانتهاك هذا الحق، حيث تتحول الأرقام إلى شواهد حية على أزمة إنسانية تتطلب تحركا عاجلا يتجاوز حدود البيانات والتصريحات.