المصادقة على استثمارات جديدة في قطاع الدواء فهل تملك تونس مفاتيح التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج؟

خلال اجتماعها الثاني لسنة 2026، المنعقد بمقر

الهيئة التونسية للاستثمار، أقرت اللجنة الوطنية المختصة بدراسة مطالب الانتفاع بحوافز قانون الاستثمار إسناد امتيازات لفائدة مشروعين ينشطان في قطاعي صناعة الأدوية وتصبير منتجات الصيد البحري بكلفة جملية تفوق 79 مليون دينار، مع قدرة تشغيلية يُرتقب أن تتجاوز 800 موطن شغل.

فهل يكفي ضخّ عشرات الملايين من الدنانير في صناعة الأدوية لتحويلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية؟ وهل تستطيع تونس، في ظل اعتمادها الكبير على التوريد، أن تقترب من تحقيق سيادتها الصحية؟ ثم إلى أي مدى يمكن لقطاع تحكمه تعقيدات تنظيمية وضغوط تسعيرية أن يجذب استثمارات مستدامة وقادرة على خلق قيمة مضافة عالية؟ هذه الأسئلة لا تبدو نظرية في ظل المصادقة الأخيرة على حوافز لمشروعين في قطاع الأدوية بقيمة تفوق 79 مليون دينار، بل تطرح نفسها بإلحاح في سياق وطني ودولي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والصحية. فبين الطموح السياسي والواقع الصناعي، تقف صناعة الأدوية في تونس عند مفترق طرق يتطلب قراءة هادئة ومتوازنة.
قطاع واعد بأرقام محدودة التأثير

شهدت صناعة الأدوية في تونس تطورًا تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تضم البلاد أكثر من 40 وحدة إنتاج، تغطي ما بين 50 و55% من حاجيات السوق المحلية. ويُقدّر حجم السوق الدوائية بحوالي 4،2 مليار دينار في 2025، مع نمو سنوي في حدود 6 إلى 7%، مدفوعًا بارتفاع الطلب على العلاج، خاصة مع تزايد الأمراض المزمنة وتوسع الخدمات الصحية الخاصة. كما يوفر القطاع آلاف مواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة، ويُسجل حضورًا نسبيًا في بعض الأسواق الإفريقية. غير أن هذه الأرقام، رغم إيجابيتها، تبقى محدودة إذا ما قورنت بإمكانات القطاع، إذ لا تزال تونس بعيدة عن لعب دور إقليمي بارز في هذا المجال.
تبعية هيكلية للمواد الأولية
يتمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه صناعة الأدوية في تونس في الاعتماد الكبير على توريد المواد الأولية، حيث تتجاوز هذه النسبة 90%. هذا الواقع يجعل القطاع هشًا أمام تقلبات الأسواق العالمية، سواء من حيث الأسعار أو من حيث توفر المواد. وقد كشفت الأزمات الأخيرة، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، عن هذه الهشاشة، إذ واجهت عدة دول، من بينها تونس، صعوبات في تأمين بعض الأدوية الأساسية. في ظل هذا الوضع، يصبح الحديث عن السيادة الصحية مرتبطًا بمدى القدرة على تقليص هذه التبعية، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في الصناعات الكيميائية والدوائية الأساسية.
إشكاليات تنظيمية تحدّ من الديناميكية
إلى جانب التحديات الصناعية، يواجه القطاع صعوبات تنظيمية تؤثر على جاذبيته. فإجراءات تسجيل الأدوية والحصول على التراخيص قد تستغرق وقتًا طويلاً، ما يحدّ من قدرة الشركات على إدخال منتجات جديدة إلى السوق بسرعة. كما أن نظام تسعير الأدوية، الذي يهدف إلى حماية القدرة الشرائية، يفرض قيودًا على هوامش الربح، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. هذا التوازن الصعب بين البعد الاجتماعي والجدوى الاقتصادية يطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة الحالية على استقطاب استثمارات نوعية، خصوصًا في مجالات البحث والتطوير.
سوق ضخمة وتنافس محتدم
على المستوى الدولي، تُعد صناعة الأدوية من أكثر القطاعات ديناميكية، حيث تجاوزت قيمتها 1،6 تريليون دولار في 2025، مع توقعات ببلوغ نحو 2 تريليون دولار بحلول 2030. غير أن هذا النمو يخفي تحديات معقدة، أبرزها ارتفاع كلفة تطوير الأدوية، التي قد تصل إلى 2 مليار دولار للدواء الواحد، إضافة إلى المنافسة الشديدة بين الشركات الكبرى، والصراعات المرتبطة ببراءات الاختراع. كما أن إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية أصبحت أولوية بعد الأزمات الصحية، حيث تسعى الدول إلى تقليص اعتمادها على الخارج وتعزيز إنتاجها المحلي.
فرص تونس بين الجغرافيا والكفاءات
في هذا السياق العالمي المتغير، تمتلك تونس بعض المقومات التي يمكن أن تدعم موقعها في الصناعة الدوائية، من بينها موقعها الجغرافي القريب من أوروبا وإفريقيا، وتوفر كفاءات علمية وطبية مؤهلة. كما أن السوق الإفريقية، التي يُتوقع أن يتجاوز حجمها 70 مليار دولار في أفق 2030، تمثل فرصة حقيقية للتوسع. غير أن استغلال هذه الفرص يظل مشروطًا بقدرة تونس على تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية الصناعية واللوجستية.
صناعة ذات قيمة مضافة أعلى
التحول الحقيقي في صناعة الأدوية لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج، بل في الارتقاء بنوعية هذا الإنتاج. فالتوجه نحو الأدوية البيولوجية والتقنيات العلاجية الحديثة يمثل فرصة لتعزيز القيمة المضافة، لكنه يتطلب استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، وشراكات دولية، وإطارًا تشريعيًا مرنًا. في المقابل، يظل الاكتفاء بالإنتاج التقليدي محدود الجدوى في ظل المنافسة القوية من الأسواق ذات الكلفة المنخفضة.
بين البدايات الممكنة والرهانات المفتوحة
لا يمكن اختزال قرار المصادقة على مشاريع دوائية جديدة في كونه خطوة استثمارية عادية، بل هو مؤشر على وعي متنامٍ بأهمية هذا القطاع في معادلة الاقتصاد والصحة. غير أن هذا الوعي، مهما كانت أهميته، لن يكون كافيًا ما لم يُترجم إلى إصلاحات عميقة ورؤية طويلة المدى. فصناعة الأدوية ليست مجرد نشاط صناعي، بل منظومة متكاملة تتقاطع فيها السياسات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، تبدو تونس أمام فرصة لإعادة تموقعها في هذا القطاع، لكن هذه الفرصة تحمل في طياتها اختبارًا حقيقيًا لقدرة البلاد على الانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج. وبين استثمارات واعدة وتحديات قائمة، يظل السؤال مفتوحًا فهل تكون هذه المشاريع بداية مسار جديد، أم مجرد حلقة أخرى في مسار لم يكتمل بعد؟

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115