البنك الدولي يضخ 332.5 مليون دولار في تونس: معركة الماء تتحول إلى رهان اقتصادي واستراتيجي

في سياق عالمي تتزايد فيه حدة التحديات المناخية

وتتراجع فيه الموارد الطبيعية، لم يعد الماء مجرد خدمة عمومية، بل أصبح محدداً رئيسياً لمستقبل الدول واستقرارها. وفي هذا الإطار، تبرز تونس كواحدة من الدول التي تواجه ضغطاً مائياً متصاعداً، ما يجعل أي استثمار في هذا القطاع ذا أبعاد تتجاوز البنية التحتية ليصل إلى صميم الأمن القومي. ويأتي إعلان تمويل مشروعين بقيمة 332.5 مليون دولار من قبل البنك الدولي بهدف تحسين خدمات مياه الشرب وتحديث منظومة الفلاحة السقوية. في لحظة مفصلية، حيث لم تعد أزمة المياه مسألة ظرفية، بل تحولت إلى تحدٍّ هيكلي يفرض إعادة رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية، ليؤكد أن ملف المياه بات في صدارة الأولويات التنموية، وأن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في إعادة تشكيل العلاقة بين الموارد المائية والنمو الاقتصادي.

ندرة المياه وأزمة هيكلية تتفاقم

لم تعد أزمة المياه في تونس ظرفية أو مرتبطة بمواسم الجفاف فقط، بل تحولت إلى إشكال هيكلي يعكس اختلال التوازن بين العرض والطلب. فقد شهدت البلاد خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في نصيب الفرد من المياه، بالتوازي مع تزايد عدد السكان وتوسع الأنشطة الاقتصادية، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يستهلك الحصة الأكبر من الموارد المائية.
وتزداد حدة هذه الأزمة بفعل التغيرات المناخية، التي أدت إلى تذبذب التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، ما انعكس سلباً على الموارد السطحية والجوفية. في هذا السياق، لم يعد ضمان الأمن المائي مجرد خيار تنموي، بل ضرورة ملحّة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

يمثل التمويل الجديد جزءاً من برنامج أشمل للأمن المائي والقدرة على الصمود، تصل كلفته إلى 700 مليون دولار على مدى عشر سنوات. ويعكس هذا التوجه اعتماد مقاربة تدريجية متعددة المراحل، تهدف إلى معالجة الإشكاليات العاجلة، مع وضع أسس إصلاحات هيكلية طويلة المدى.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في قدرتها على التكيف مع التحديات المتغيرة، من خلال تنويع مصادر المياه، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز أداء المؤسسات العمومية المكلفة بإدارة القطاع. كما تتيح هذه الآلية توجيه الاستثمارات بشكل أكثر دقة نحو المناطق والفئات الأكثر هشاشة.

يُخصص جزء هام من التمويل، بقيمة 124 مليون دولار، لمشروع تعزيز أمن مياه الري والقدرة على الصمود وإضافة القيمة، الذي يستهدف ولايات جندوبة وباجة وبنزرت وسليانة. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للري وتحسين أداء منظومات التوزيع، بما يضمن استخداماً أكثر كفاءة للمياه.
غير أن الرهان الأساسي يتجاوز البنية التحتية ليشمل تغييراً في نموذج الإنتاج الفلاحي، عبر دعم اعتماد التكنولوجيات الذكية المراعية للمناخ، وتمكين الفلاحين من النفاذ إلى أسواق ذات قيمة مضافة أعلى. ومن المنتظر أن يستفيد نحو 4 آلاف فلاح بشكل مباشر من تحسين خدمات الري، إلى جانب 9 آلاف فلاح عبر الإرشاد الفلاحي، مع إحداث حوالي 3400 موطن شغل دائم و7 آلاف موطن شغل مؤقت.

مياه الشرب و خدمات أكثر استدامة وجودة

يركز مشروع تعزيز أمن مياه الشرب والقدرة على الصمود، الممول بقيمة 208.5 مليون دولار، على تحسين جودة الخدمات وضمان استمراريتها، خاصة في المناطق الجنوبية التي تعاني من نقص الموارد التقليدية.
ويمثل توسيع محطة تحلية مياه البحر بالزارات في ولاية قابس أحد أبرز مكونات هذا المشروع، حيث سترتفع طاقتها الإنتاجية من 50 ألف إلى 100 ألف متر مكعب يومياً، ما سيمكن من تأمين التزود بالمياه لولايات قابس ومدنين وتطاوين بشكل أكثر استقراراً.
كما يشمل المشروع تركيب 100 ألف عداد ذكي وإعادة تأهيل شبكات التوزيع في صفاقس وتوزر وقبلي، بهدف الحد من الهدر وتحسين حوكمة القطاع. ومن المتوقع أن يستفيد نحو 2.3 مليون شخص من هذه التدخلات، من بينهم 224 ألفاً سيحصلون على مياه دون انقطاع، و440 ألفاً سيشهدون تحسناً في جودة المياه، إلى جانب إحداث 600 وظيفة دائمة و6 آلاف وظيفة مؤقتة.

لا تنفصل أزمة المياه في تونس عن السياق العالمي، حيث تتزايد المخاوف من تحول هذا المورد إلى محور صراعات مستقبلية. فالماء لم يعد مجرد عنصر بيئي، بل أصبح عاملاً محدداً للتوازنات الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة في المناطق التي تعاني من شح الموارد.
وفي هذا الإطار، تتجه السياسات الحديثة نحو تنويع مصادر المياه، عبر التحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب تحسين كفاءة المؤسسات، من بينها ، الذي ينتظر أن يلعب دوراً محورياً في المرحلة القادمة، خاصة في مجال الصرف الصحي وإعادة استخدام المياه.

تعكس هذه المشاريع تحولاً عميقاً في طريقة التعامل مع الموارد المائية في تونس، حيث لم يعد الهدف مجرد تلبية الطلب، بل بناء منظومة قادرة على الصمود في وجه الأزمات المستقبلية. فالماء، في نهاية المطاف، ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو أساس الحياة ومحرك التنمية.
وفي ظل التحديات المتزايدة، يبقى نجاح هذا الرهان مرتبطاً بمدى القدرة على تنفيذ الإصلاحات، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك. وبين ندرة الموارد وتزايد الطلب، يبدو أن معركة الماء في تونس قد بدأت فعلاً، وأن نتائجها ستحدد ملامح الاقتصاد والمجتمع لعقود قادمة.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115