تونس والشركات الناشئة بين صعود الأرقام وحدود التأثير الاقتصادي

في سياق اقتصادي يتسم ببطء النمو

وارتفاع نسب البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب، تتجه الأنظار في تونس نحو الشركات الناشئة باعتبارها أحد أهم محركات التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على الابتكار، فمنذ إقرار قانون Startup Act سنة 2018، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الرهان على المبادرة الفردية والتكنولوجيا كبديل عن النماذج الاقتصادية التقليدية. غير أن هذا التحول يثير جملة من التساؤلات الجوهرية. فإلى أي مدى نجحت تونس في بناء منظومة متكاملة للشركات الناشئة؟ وهل تعكس الأرقام المعلنة تحولًا اقتصاديًا فعليًا أم مجرد ديناميكية ظرفية؟ وكيف تقارن التجربة التونسية بنظيراتها في المنطقة؟

تُعد تونس من بين أفضل 20 منظومة عالمية للشركات الناشئة، و تحتل منظومة الشركات الناشئة التونسية المرتبة الثالثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث المواهب ذات التكلفة المعقولة، وذلك وفقًا للنسخة 13 من تقرير GSER حول المنظومات العالمية للشركات.

تشير أحدث البيانات إلى أن عدد الشركات الناشئة في تونس تجاوز 1400 شركة سنة 2025، وهو تطور لافت مقارنة ببداية التجربة قبل أقل من عقد. كما ارتفعت قيمة المنظومة بنسبة تفوق 200% بين 2021 و2023 لتبلغ نحو 240 مليون دولار، ما يعكس تحسنًا في جاذبية السوق وقدرتها على خلق القيمة. إضافة إلى ذلك، صُنّفت تونس ضمن أفضل 10 منظومات ناشئة في إفريقيا، وهو تصنيف يعكس الاعتراف الدولي بالتقدم المحرز.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى التأثير الاقتصادي محدودًا. فعدد الشركات التي بلغت مرحلة التوسع (Scaleups) لا يتجاوز بضع عشرات، وهو رقم ضعيف مقارنة بعدد الشركات الإجمالي. كما أن مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال هامشية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المنظومة على التحول من نمو كمي إلى تأثير نوعي ملموس.
إطار قانوني متقدم يواجه تحديات التنفيذ
يُعد قانون Startup Act أحد أبرز نقاط القوة في التجربة التونسية، حيث وفّر بيئة قانونية مرنة نسبيًا مقارنة بدول المنطقة. فقد منح الشركات الناشئة امتيازات مهمة، مثل الإعفاءات الضريبية، وإمكانية التعامل بالعملة الصعبة، إضافة إلى تسهيلات إدارية ساهمت في تشجيع المبادرة.
غير أن هذا التقدم التشريعي يصطدم في كثير من الأحيان بواقع إداري معقد. فعدد من رواد الأعمال يشيرون إلى صعوبات في الإجراءات، وتأخر في تنفيذ بعض الامتيازات، وضعف التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة. هذه الإشكالية تعكس تحديًا أعمق يتعلق بقدرة الإدارة التونسية على مواكبة سرعة التحول الرقمي ومتطلبات الاقتصاد الجديد.
فجوة تمويلية تعيق النمو

يمثل التمويل الحلقة الأضعف في منظومة الشركات الناشئة في تونس. فوفق أحدث المؤشرات، لم تتجاوز الاستثمارات في هذا القطاع 25 مليون دولار خلال سنة 2024، وهو رقم متواضع مقارنة بدول مثل مصر التي استقطبت أكثر من 280 مليون دولار، أو المغرب الذي تجاوز 170 مليون دولار في نفس الفترة.
هذا الضعف في التمويل يحدّ من قدرة الشركات على النمو والتوسع، خاصة في المراحل المتقدمة التي تتطلب استثمارات كبيرة. كما أن محدودية صناديق رأس المال المخاطر المحلية، وغياب سوق مالية مهيأة لدعم الابتكار، يجعلان المنظومة تعتمد بشكل كبير على التمويلات الدولية، وهو ما يزيد من هشاشتها.
من بين أبرز التحديات البنيوية التي تواجه الشركات الناشئة في تونس محدودية السوق المحلية. فبحجم اقتصادي صغير وقدرة شرائية محدودة، لا توفر السوق الوطنية فرصًا كافية لنمو سريع ومستدام. لذلك، تجد معظم الشركات نفسها مضطرة للتوجه نحو الأسواق الخارجية منذ مراحل مبكرة.
غير أن هذا التوجه يطرح تحديات كبيرة، من حيث الحاجة إلى موارد مالية إضافية، وخبرة في التوسع الدولي، وشبكات علاقات خارجية. وفي هذا السياق، تتمتع دول مثل الإمارات ببيئة استثمارية متقدمة، بينما تستفيد مصر من سوق داخلية واسعة، ما يمنح شركاتها الناشئة أفضلية تنافسية واضحة مقارنة بنظيرتها التونسية.
رأس المال البشري ونقطة القوة

تُعد الكفاءات البشرية أحد أبرز عناصر القوة في المنظومة التونسية. إذ تتميز البلاد بوفرة المهندسين والمختصين في المجالات التكنولوجية، مع مستوى تعليمي جيد وتكلفة تنافسية. وقد ساهم هذا العامل في جذب شركات عالمية، وجعل تونس مركزًا مهمًا للخدمات الرقمية.
لكن هذه الميزة مهددة بظاهرة هجرة الكفاءات، حيث يتجه عدد متزايد من المهندسين إلى العمل في الخارج أو عن بعد لصالح شركات أجنبية. هذا النزيف البشري يضعف القدرة المحلية على بناء شركات قوية، ويطرح تحديًا استراتيجيًا يتعلق بكيفية الحفاظ على الموارد البشرية داخل البلاد.
رغم التحديات، تمكنت بعض الشركات الناشئة التونسية من تحقيق نجاحات لافتة على المستوى الدولي، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية. هذه النجاحات تؤكد أن الإمكانيات موجودة، وأن تونس قادرة على إنتاج شركات تنافس عالميًا.
غير أن هذه الحالات تبقى محدودة، ولا تعكس بعدُ تحولًا شاملًا في المنظومة. فغياب عدد كبير من الشركات القادرة على تحقيق نمو سريع ومستدام يشير إلى وجود خلل في سلسلة القيمة للابتكار، من الفكرة إلى التوسع.
منظومة واعدة تبحث عن النضج

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن منظومة الشركات الناشئة في تونس تعيش مرحلة انتقالية بين الطموح والواقع. فقد نجحت في بناء إطار قانوني ومؤسساتي متقدم، وحققت نموًا ملحوظًا في عدد الشركات، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة النضج التي تجعلها رافعة حقيقية للاقتصاد.
التحدي اليوم لا يكمن في إطلاق المزيد من المبادرات، بل في تعميق الإصلاحات، خاصة في مجالات التمويل، وتبسيط الإجراءات، وربط البحث العلمي بالقطاع الخاص. فإذا ما تمكنت تونس من معالجة هذه الاختلالات، فقد تتحول بالفعل إلى نموذج إقليمي ناجح في مجال الابتكار. أما إذا استمرت الفجوات الحالية، فإن المنظومة قد تبقى في دائرة الإمكانات غير المستغلة، بين وعود كبيرة… ونتائج محدودة .

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115