استثمارات خارجية تتدفق وتونس أمام اختبار تحويل الأرقام إلى نمو حقيقي

في لحظة تبدو فيها المؤشرات الرقمية وكأنها تعزف

نشيد انتصار، تقف تونس أمام مفارقة اقتصادية حيث سجلت أرقام الاستثمار الأجنبي قفزة بنسبة 30،3 % خلال كامل سنة 2025 لكن السؤال الذي يهز يقين المتابعين ليس القيمة التي سجلت، بل ماذا تغيّر فعلاً؟ وهل يعكس هذا الصعود انتعاشًا حقيقيًا في البنية الاقتصادية أم مجرد تحسن ظرفي قد يتبخر عند أول اضطراب عالمي؟ هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة البلاد على تحويل التدفقات المالية إلى تنمية مستدامة وشاملة.

قفزة رقمية أم نقلة ظرفية

بلغت الاستثمارات الأجنبية في تونس سنة 2025 نحو 3572.1 مليون دينار، متجاوزة الهدف الحكومي المحدد بـ3400 مليون دينار، بعد أن كانت في حدود 2741.8 مليون دينار سنة 2024. يبدو هذا النمو وللوهلة الأولى،دليلاً على استعادة الثقة الدولية في الاقتصاد الوطني، خاصة وأنه يأتي بعد سلسلة زيادات سنوية متتالية منذ 2021. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن جزءًا من هذا الارتفاع مرتبط بقاعدة مقارنة منخفضة خلال سنوات الجائحة والاضطراب السياسي، ما يعني أن نسبة النمو المرتفعة لا تعكس بالضرورة توسعًا هيكليًا بقدر ما تعكس تعافيًا تدريجيًا من مرحلة انكماش.
يلاحظ المتابعة البيانات انها تشير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة شكلت النصيب الأكبر بقيمة 3506.5 مليون دينار، مقابل 65.6 مليون دينار فقط لاستثمارات الحافظة المالية و هذه المفارقة تحمل دلالتين متناقضتين فمن جهة، الاستثمار المباشر عادة ما يعكس ثقة طويلة الأمد في السوق المحلية، لأنه يرتبط بمشاريع إنتاجية ومصانع ووحدات تشغيل. ومن جهة أخرى، ضعف استثمارات الحافظة المالية قد يدل على حذر المستثمرين في التعامل مع السوق المالية التونسية، وربما يعكس محدودية عمقها أو ضعف سيولتها مقارنة بأسواق ناشئة أخرى.
لقد استحوذ القطاع الصناعي على 62.6٪ من إجمالي الاستثمارات المباشرة بقيمة 2194.1 مليون دينار، وهو ما يعكس استمرار جاذبية تونس كمركز إنتاج صناعي، خصوصًا في الصناعات الكهربائية والإلكترونية التي وفرت وحدها أكثر من خمسة آلاف وظيفة. إلا أن هذا التركّز القطاعي يطرح إشكالية استراتيجية فهل يعكس قوة تنافسية حقيقية أم هشاشة هيكلية؟ فالاقتصادات المتوازنة عادة ما تعتمد على تنوع مصادر الاستثمار بين الصناعة والخدمات والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر، بينما يشير التفاوت الواضح بين القطاعات إلى اعتماد مفرط على مجال واحد قد يتأثر سريعًا بتقلبات الطلب العالمي.
الوظائف… إنجاز حقيقي أم رقم مضلل؟
إحداث 14085 موطن شغل رقم يبدو لافتًا، خاصة في ظل معدلات بطالة مرتفعة، لكن التحليل يكشف أن 72٪ من هذه الوظائف جاءت من مشاريع توسعة لا من مشاريع جديدة. هذا يعني أن المستثمرين الحاليين يعززون وجودهم بدل دخول مستثمرين جدد بأعداد كبيرة. ورغم أن توسع الاستثمارات القائمة مؤشر إيجابي على الثقة، فإنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهريًا هل بيئة الاستثمار قادرة على جذب أسماء جديدة أم أنها تعتمد أساسًا على توسيع نشاط المستثمرين الموجودين بالفعل؟
جغرافيا الاستثمار… تنمية غير متوازنة
من الواضح ان التوزيع الجغرافي للاستثمارات يظهر تمركزًا حادًا في المناطق الساحلية التي استحوذت على 64٪ من التدفقات، فيما تظل الجهات الداخلية خارج المعادلة تقريبًا. هذه الفجوة تعيد إنتاج نفس الاختلال التنموي الذي عانت منه البلاد لعقود، حيث تتركز الثروة في الشريط الساحلي بينما تعاني المناطق الداخلية من ضعف البنية التحتية وندرة الفرص. استمرار هذا النمط يعني أن الاستثمارات، بدل أن تكون أداة لتحقيق العدالة الجهوية، قد تتحول إلى عامل إضافي لتعميق الفوارق.
خريطة المستثمرين
تصدرت فرنسا قائمة المستثمرين بقيمة 899.8 مليون دينار، تلتها ألمانيا وإيطاليا ثم هولندا والولايات المتحدة. ورغم أهمية هذه الشراكات، فإن هيمنة دول أوروبية تقليدية على المشهد تكشف محدودية تنويع مصادر الاستثمار. فغياب حضور قوي لمستثمرين من آسيا أو الشرق الأوسط أو أفريقيا جنوب الصحراء قد يحد من قدرة الاقتصاد على تنويع علاقاته المالية والتجارية، ويجعله أكثر تأثرًا بالتقلبات الاقتصادية في منطقة واحدة.
في الواقع تعوّل السلطات على إصلاحات تشريعية، أبرزها تنقيح قانون الاستثمار، لتحسين مناخ الأعمال وجذب مزيد من التدفقات. غير أن التجارب الدولية تثبت أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي؛ فالمستثمر ينظر إلى منظومة متكاملة تشمل الاستقرار السياسي، سرعة الإجراءات، شفافية القضاء، وتوفر البنية التحتية. وبالتالي فإن نجاح هذه الإصلاحات سيقاس بمدى قدرتها على تقليص البيروقراطية وتبسيط المسارات الإدارية، لا بمجرد إصدار قوانين جديدة.

يعتبر استهداف جذب أربعة مليارات دينار من الاستثمارات الأجنبية في 2026 هدف طموح لكنه ليس مستحيلاً، بشرط أن يتحول الزخم الرقمي الحالي إلى مسار اقتصادي مستدام، فالمؤشرات الإيجابية، رغم أهميتها، تبقى مجرد إشارات أولية لا ضمانات نهائية و التاريخ الاقتصادي مليء بدول سجلت طفرات استثمارية مؤقتة ثم عادت إلى الركود بسبب غياب الإصلاحات الهيكلية.

إن ما حققته تونس في 2025 يمثل بلا شك نقطة ضوء في مشهد اقتصادي معقد، لكنه ضوء يحتاج إلى وقود الإصلاح والتخطيط طويل المدى حتى لا يخفت سريعًا، والتحدي الحقيقي ليس في جذب المليارات، بل في تحويلها إلى نمو شامل يخلق الثروة ويقلص الفوارق ويعزز الاستقرار. فالمستقبل الاقتصادي لا يُقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بقدرة الدولة على توجيهها نحو بناء اقتصاد متنوع، عادل، وقادر على الصمود، والسؤال الذي سيظل معلقًا حتى تتضح النتائج هل تكون هذه الطفرة بداية تحول تاريخي، أم مجرد موجة عابرة في بحر التحديات؟

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115