ملامح مرحلة ما بعد الحرب سوريا بين تخفيف العقوبات والانسحاب الأمريكي

يشهد الملف السوري تحوّلات متسارعة تعكس

إعادة تموضع دولي وإقليمي قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في البلاد التي تعاني تبعات سنوات طويلة من الحرب. ففي وقت أعلنت فيه كندا تخفيف جزء من عقوباتها الاقتصادية على دمشق، تتواتر تقارير أمريكية عن خطط لسحب القوات الأمريكية من سوريا خلال الشهرين المقبلين، في خطوة توصف بأنها ''انتقال مدروس ومشروط''، لكنها تحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
ووفق مراقبين لا يمكن فصل إعلان وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند تعديل نظام العقوبات، وإزالة 24 كيانا وشخصا من القوائم، عن مناخ سياسي دولي يتجه نحو اختبار مسارات التعافي الاقتصادي في سوريا. وركّز التبرير الكندي على خفض العوائق أمام النشاط الاقتصادي وتمكين التعامل مع كيانات مرتبطة بالدولة في قطاعات حيوية، ما يشير إلى إدراك متزايد بأن استمرار القيود الشاملة يفاقم الانهيار المعيشي دون أن يحقق بالضرورة أهدافاً سياسية واضحة.
هذه الخطوة، وإن بدت تقنية، تعكس تحوّلا في التفكير الغربي من سياسة الضغط الأقصى إلى مقاربة أكثر مرونة، خصوصا مع تبدل المعادلات الميدانية وتثبيت الحكومة السورية سيطرتها على معظم الأراضي. كما أنها قد تشجع أطرافا أخرى على إعادة تقييم أدواتها، سواء عبر تخفيف القيود أو عبر توسيع الاستثناءات الإنسانية والاستثمارية.
الانسحاب الأمريكي
في المقابل، أفادت تقارير نشرتها ''وول ستريت جورنال'' و''سي بي أس'' بأن واشنطن تخطط لسحب نحو ألف جندي من سوريا خلال فترة وجيزة، بعد إعادة تموضع سابقة شملت قواعد مثل التنف والشدادي. ورغم عدم صدور إعلان رسمي حاسم، فإن الحديث عن "إنهاء الوجود" بعد بسط الحكومة سيطرتها وتعهد "قوات سوريا الديمقراطية" بالاندماج في مؤسسات الدولة، يعكس قناعة أمريكية بأن المهمة العسكرية التقليدية المعلنة ضدّ تنظيم ''داعش'' الإرهابي شارفت على نهايتها.
ووفق خبراء فقد كانت قوات سوريا الديمقراطية شريكا أساسيا لواشنطن في قتال تنظيم "داعش" الارهابي، لكن تغيّر البيئة السياسية يفرض ترتيبات جديدة، خاصة إذا كان هناك مسار تفاهم داخلي يضمن دمج هذه القوات في هياكل الدولة.ووفق متابعين إذا تم الانسحاب، سيطرح تساؤلات حول مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة.
توازنات إقليمية حساسة
ويأتي القرار الأمريكي المحتمل أيضا في سياق تصعيد إقليمي مع إيران، حيث تعمل واشنطن على تعزيز وجودها العسكري في مناطق قريبة، وسط تهديدات متبادلة بالردّ في حال وقوع أيّ هجوم. وهذا التوازي بين الانسحاب من سوريا والاستعداد لضربات محتملة ضد طهران يعكس محاولة لإعادة توزيع الموارد العسكرية وفق أولويات جديدة، دون التخلي الكامل عن أدوات الردع في المنطقة.
كما أن نقل آلاف من مقاتلي ''داعش'' الإرهابي إلى سجون أكثر أمنا في العراق يوحي بسعي أمريكي لإغلاق ملف ''الإدارة الميدانية المباشرة'' للصراع السوري، مقابل التركيز على الاحتواء الإقليمي ومنع عودة التنظيم عبر آليات استخباراتية وشراكات أمنية غير قتالية.
بالنسبة لدمشق، فإن تخفيف العقوبات الكندية، واحتمال انسحاب القوات الأمريكية، يمثلان فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد المنهك واستعادة جزء من السيادة الكاملة على الأرض. غير أنّ هذه الفرصة مشروطة بقدرة الدولة على استيعاب القوى المحلية، وتحقيق استقرار أمني فعلي، وطمأنة المجتمع الدولي إلى أنّ مرحلة ما بعد الحرب لن تعيد إنتاج أسبابها.
ويتمثل التحدي الأكبر في تحويل التحولات السياسية والعسكرية إلى مكاسب معيشية ملموسة للسكان، في ظل بنية تحتية مدمرة، وعملة ضعيفة، واحتياجات إعادة إعمار هائلة. كما أن أي انفتاح اقتصادي سيظل مرتبطا بمدى وضوح المسار السياسي الداخلي، وبطبيعة العلاقات السورية مع محيطها العربي والدولي.
مرحلة انتقالية مفتوحة
ويرى متابعون أنّ المشهد الراهن لا يعني نهاية التعقيدات السورية، بل ربما بداية فصل جديد أقل صخبا عسكريا وأكثر تعقيدا سياسيا واقتصاديا. فبين تخفيف العقوبات وإعادة الانتشار العسكري، تتشكل معادلة جديدة عنوانها "إدارة ما بعد الصراع" بدلا من "إدارة الحرب".
وإذا ما تأكد الانسحاب الأمريكي وتوسعت خطوات تخفيف القيود الغربية، فإن سوريا ستدخل مرحلة اختبار حقيقية: هل تنجح في استثمار اللحظة لبناء استقرار مستدام، أم أن التوازنات الهشة ستعيد إنتاج دورات توتر جديدة تحت عناوين مختلفة؟

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115