منذ أول أمس حالة من الشلل شبه التام، على خلفية دخول الأعوان في إضرابات ووقفات احتجاجية شملت عددا من الوحدات الإنتاجية بكل من الرديف والمتلوي والمظيلة وأم العرائس ما تسبب في تعطّل نسق العمل والإنتاج، وجاء هذا التحرك الاحتجاجي على خلفية ما اعتبرته الأطراف النقابية تلكؤا من الإدارة العامة في صرف مستحقات مالية لفائدة الأعوان، خاصة التسبقة على منحة الإنتاجية والمنحة المتبقية من الشهر الثالث عشر، وهو ما اعتبره العمال إخلالا بالتعهدات السابقة وضربا للاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة.
وأعلنت الجامعة العامة للمناجم في بيان لها تبنيها الكامل للتحركات الاحتجاجية التي ينفذها الأعوان بمختلف مصالح الشركة، بما في ذلك النقابات الأساسية، مؤكدة أن هذه التحركات تأتي دفاعا عن "حقوق مشروعة ومطالب مهنية واجتماعية طال انتظار تسويتها". وحملت الجامعة الإدارة العامة لشركة فسفاط قفصة المسؤولية الكاملة عن حالة الاحتقان وتعكر المناخ الاجتماعي داخل المؤسسة، معتبرة أن عدم الجدية في التعاطي مع المطالب والتأخير المتواصل في إيجاد حلول عملية ساهما في دفع الأعوان نحو التصعيد.
مطالب عاجلة وتحذير من التصعيد
ذكرت الجامعة العامة للمناجم بأن هذه المطالب تتم الاستجابة لها سنويا بمناسبة شهر رمضان وعيد الفطر، معتبرة أن تجاهلها هذه السنة "أمر غير مبرّر" من شأنه أن يزيد في توتر الأوضاع، ودعت سلطة الإشراف إلى التدخل العاجل وتحمل مسؤولياتها في فرض حوار جدي ومسؤول يفضي إلى اتفاقات واضحة وملزمة، تجنب المؤسسة مزيدا من التوتر، وتحافظ على ديمومة الإنتاج في إطار احترام الحقوق الأساسية للعمال، وشددت على أن تجاهل المطالب المشروعة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، محمّلة جميع الأطراف المعنية تتبعات ما قد ينجر عن استمرار هذا الوضع.
وعقب اجتماع للنقابات الأساسية تحت إشراف الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة والجامعة العامة للمناجم، تم الاتفاق على جملة من الخطوات العاجلة، أبرزها توجيه مراسلة إلى المدير العام للمطالبة بصرف مبلغ 1000 دينار كتسبقة على منحة الإنتاجية قبل حلول شهر رمضان، وصرف تسبقة بنسبة 50% من منحة نهاية السنة في أجل أقصاه 9 مارس المقبل. ولوّحت الهياكل النقابية بالدخول في إضرابات متواترة في صورة تواصل ما وصفته بـ"تعنت الإدارة العامة"، مع إمكانية تنظيم تجمع عمالي أمام الإدارة العامة بقفصة، محمّلة سلطة الإشراف مسؤولية التدخل العاجل لفرض حوار جدي ومسؤول يفضي إلى اتفاقات واضحة وملزمة.
إضراب بقرار من الأعوان أنفسهم
وفق ما أكده الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل في قفصة محمد الصغير الميراوي في تصريح لـ"المغرب" فإن الإضراب الذي دخل فيه أعوان شركة فسفاط قفصة لم يكن بدعوة من النقابات بل بقرار من الأعوان أنفسهم احتجاجا على عدم صرف مستحقاتهم الخاصة بشهر رمضان بعد أن أخلت الإدارة بالاتفاق، مشيرا إلى أن هذا الإضراب يعني الأعوان فقط وقد سبق وأن وجه الطرف النقابي تنبيها إلى الإدارة بضرورة التوصل إلى اتفاق وتلتزم به فيما بعد، مشددا على أن الاتحاد ليس ضدّ مطالبة الأعوان بصرف مستحقاتهم وكان من المفترض أن تلتزم الإدارة بما تعهدت به. وبين أن الإضراب هو جزئي ذلك أن هناك عدد من مواقع الإنتاج لم تتوقف عن العمل في الرديف والمتلوي.
إضراب بالمجمع الكيميائي التونسي
في سياق متصل، نفذ أعوان وإطارات المجمع الكيميائي التونسي إضرابا حضوريا بمختلف مواقع الإنتاج يومي 17 و18 فيفري الجاري، استجابة لبرقية تنبيه بالإضراب صادرة عن الاتحاد العام التونسي للشغل (قسم الدواوين والمنشآت العمومية)، وذلك بعد فشل الجلسات التفاوضية في التوصل إلى حلول للنقاط العالقة. ورفع المحتجون جملة من المطالب، من بينها تصنيف المجمع ضمن المهن الخطرة، وتسوية منحة تحسين الإنتاجية للسنوات الممتدة من 2022 إلى 2024، وإدماج الزيادات العامة في الأجور ضمن الأجر الأساسي، وصرف مستحقات استرجاع مصاريف التداوي، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بمنح أعوان "الوردية" والترفيع في منحة الإحالة على التقاعد وخلاص الرصيد المتبقي من الرخص السنوية للمتقاعدين. قرار الإيقاف الشامل للإنتاج جاء كخطوة "اضطرارية" للدفاع عن حقوق الأعوان بالطرق القانونية، محملة سلطة الإشراف والإدارة العامة المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا التوقف.
خطة 2026–2030 على المحك
تأتي هذه التحركات في وقت تراهن فيه الدولة على خطة تنموية طموحة لقطاع الفسفاط خلال الفترة 2026-2030، تقوم على الترفيع التدريجي في نسق الإنتاج انطلاقاً من سنة 2026 بطاقة تقارب 5.5 مليون طن، وصولاً إلى 13.6 مليون طن في أفق سنة 2030، مع العودة التدريجية إلى تصدير الفسفاط المجفف واستهداف معدل طاقة تصديرية سنوية يبلغ مليون طن بحلول 2030. كما تتضمن الخطة تنويع مشتقات الفسفاط، عبر الترفيع في إنتاج الحامض الفسفوري العادي والمنقى وثلاثي الفسفاط الرفيع (TSP) وأحادي الفسفاط الرفيع (SSP) وثنائي فسفاط الأمونيا (DAP) وأحادي فسفاط الأمونيا (MAP)، إلى جانب استكمال مشاريع معطلة على غرار مصنع المظيلة 2، وتعزيز برامج التأهيل البيئي في كل من قابس وقفصة والصخيرة، غير أن تواصل التوتر الاجتماعي وتعطل الإنتاج يطرحان تحديات جدية أمام تحقيق هذه الأهداف، خاصة في ظل الحاجة إلى استعادة ثقة الأسواق العالمية وتحسين القدرة التنافسية للمنتوج التونسي.