بين ضغوط الميدان وإشارات التفاوض ''جنيف'' تختبر حدود الدبلوماسية بين واشنطن وطهران

تتجه الأنظار إلى جنيف حيث انعقدت أمس جولة جديدة

من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات السياسية بالتحركات العسكرية. فبينما جلس الوفدان إلى الطاولة، تبدو الرسائل المتبادلة أبعد من مجرد بنود تفاوضية، لتلامس حدود الردع واستعراض القوة. فمن جهة، تؤكد واشنطن رغبتها في التوصل إلى تفاهم يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. ومن جهة أخرى، تواصل تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، بما يوحي بأن خيار القوة لا يزال مطروحا إذا تعثرت المسارات السياسية.
وبدأ المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون جولة ثانية من المفاوضات أمس الثلاثاء في مدينة جنيف السويسرية، وفق ما أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، على وقع تهديد أمريكي بعمل عسكري بينما تحدثت طهران عن موقف "أكثر واقعية" من واشنطن حيال ملفها النووي.وفي موازاة تعزيز واشنطن حضورها العسكري في الشرق الأوسط، لوّحت طهران برد فوري على أي اعتداء. وبدأ الحرس الثوري الاثنين مناورات في مضيق هرمز.
وأعلن التلفزيون الإيراني أن الجولة الثانية من المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف انتهت أمس، إلا أنه من غير المعروف ما أسفرت عنه من نتائج.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن محادثات جنيف مع الولايات المتحدة دخلت في تفاصيل رفع العقوبات والملف النووي والقضايا التقنية. وكشف أنّ خبراء اقتصاديين وقانونيين وفنيين انضموا لطاولة المفاوضات.وأفاد بأن دخول المفاوضات المرحلة الفنية يعني بدء بحث التفاصيل التنفيذية والدقائق التخصصية في مجالين أساسيين هما رفع العقوبات والالتزامات النووية.
وبعد جهود دبلوماسية إقليمية مكثفة، بدأت طهران وواشنطن مفاوضات غير مباشرة في مسقط في السادس من فيفري. وعُقدت جولة يوم أمس الثلاثاء في جنيف لكن بضيافة الدبلوماسية العمانية.وواصل ترامب ممارسة ضغوطه على طهران، وصرح بأنه سيشارك "بشكل غير مباشر" في المفاوضات، مضيفا "لا أعتقد أنهم يريدون تحمل عواقب عدم إبرام اتفاق".ولم تكن تصريحات ترامب الأخيرة، التي ربط فيها إرسال حاملة الطائرات "يو إس إس" جيرالد فورد بإمكانية فشل الاتفاق، مجرد تعليق عابر، بل بدت جزءا من إستراتيجية ضغط محسوبة.
ويمثل الجانب الأمريكي في المحادثات مبعوثون مقربون من ترامب، في خطوة تعكس رغبة البيت الأبيض في إدارة الملف بشكل مباشر وحاسم، بعيدا عن السياسة التقليدية لوزارة الخارجية. ويهدف هذا الحضور السياسي الثقيل إلى تسريع الوصول إلى تفاهم، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات ويقلّص هامش المناورةووفق مراقبين تعد شروط إيران واضحة إذ تعتمد على سقف تفاوضي محدد ،في المقابل يدخل الوفد الإيراني المفاوضات وهو يتمسك بشرطين أساسيين أولا ضمانات بعدم انسحاب واشنطن مجددا من أي اتفاق محتمل، ورفع ملموس وفعلي للعقوبات الاقتصادية. فطهران ترى أن التجربة السابقة أظهرت هشاشة التعهدات الأمريكية، وأن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات عملية سيكون عرضة للانهيار مع تغير الإدارات.
كما تدرك إيران أيضا أنّ التنازلات النووية ليست مجرد أوراق تقنية، بل أدوات سيادية ذات بعد داخلي وإقليمي. لذلك، فإن أي مرونة ستُقابَل بحسابات دقيقة تتعلق بمكانتها الإقليمية وبموازين القوى داخل النظام السياسي الإيراني نفسه. إذ يعزز التصعيد الميداني والرسائل المتبادلة والتحركات العسكرية الأمريكية في الأسابيع الأخيرة ، الانطباع بأن واشنطن تمارس سياسة ''التفاوض تحت الضغط'' من خلال إعادة تموضع طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي، وزيادة وتيرة رحلات الشحن العسكري إلى قواعد في الأردن والبحرين والسعودية، يرى مراقبون أن كلها مؤشرات على رفع مستوى الجاهزية.
مناورات مشتركة
في المقابل، جاء الإعلان عن مشاركة روسيا والصين في مناورات "الحزام الأمني 2026" قرب مضيق هرمز ليعكس بعدا دوليا متناميا للأزمة. إذ يبعث انخراط موسكو وبكين، ولو في إطار تدريبات عسكرية، برسالة مفادها أنّ طهران ليست معزولة بالكامل، وأن أي مواجهة محتملة قد تتجاوز حدود الصراع الثنائي. وبين فرصة الاختراق واحتمال الانفجار توحي المعادلة الراهنة بأن الطرفين يسعيان إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل تقديم أي تنازل. فواشنطن تريد اتفاقا ''أقوى وأطول أمدا"، فيما تصر طهران على ضمانات عملية ورفع اقتصادي ملموس للعقوبات. وبين هذين المطلبين، تتحرّك الدبلوماسية في مساحة ضيقة محفوفة بالمخاطر.
ويبقى السؤال الجوهري هو هل يشكّل الضغط العسكري رافعة حقيقية للتوصل إلى تسوية، أم أنه يدفع الأمور نحو سوء تقدير قد يخرج عن السيطرة؟ إذ يظهر التاريخ القريب للعلاقات الأمريكيّة–الإيرانيّة أنّ خطوط التصعيد غالبا ما كانت أقصر مما يبدو. في جنيف، لا يجري التفاوض فقط على بنود اتفاق نووي محتمل، بل على شكل التوازن الإقليمي في السنوات المقبلة. فإما أن تنجح الدبلوماسية في إعادة ضبط الإيقاع، أو أن تتحوّل التحرّكات العسكرية المتبادلة إلى مقدمة لمرحلة أكثر اضطرابا، تتجاوز حدود طاولة المفاوضات.

لقاءات هامشية
والتقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي يقود وفد بلاده، نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي الاثنين. وأكدت الخارجية الإيرانية أن عراقجي عرض "وجهة النظر واعتبارات الجمهورية الإسلامية بشأن الملف النووي ورفع العقوبات" الأمريكية والدولية.وشدد البيان على "تصميم" طهران على اعتماد "دبلوماسية تستند الى النتائج لضمان المصالح وحقوق الشعب الإيراني، والسلام والاستقرار في المنطقة".ويقود وفد واشنطن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وفق البيت الأبيض.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو "نأمل في التوصل إلى اتفاق".والمباحثات الراهنة التي تجرى بطريقة غير مباشرة ويتوسط فيها العمانيون بين الوفدين الإيراني والأميركي، هي الأولى بين الطرفين منذ انهيار محادثات أجرياها العام الماضي، مع شن إسرائيل حربا على الجمهورية الإسلامية في جوان .وتدخلت الولايات المتحدة في تلك الحرب عبر قصف منشآت نووية إيرانية.
وتتمسك إيران بأن تقتصر المباحثات على الملف النووي الذي تشتبه دول غربية بأن هدفه تطوير سلاح ذري، وهو ما تنفيه طهران على الدوام. في المقابل، تحدث مسؤولون أمرسكيون وغربيون عن ضرورة أن يشمل أي اتفاق مع الجمهورية الإسلامية، البحث في برنامجها البالستي ودعمها لمجموعات مسلحة معادية لإسرائيل في المنطقة.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي "بالنظر إلى المباحثات (في مسقط)، يمكننا أن نستخلص بحذر أن الموقف الأميركي من القضية النووية الإيرانية أصبح أكثر واقعية".وشدد على أنه "تمّ الاعتراف بحقوق إيران غير القابلة للتصرف بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية"، بما يشمل "الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بما فيها التخصيب".

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115