بنسبة 2،5 % وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، وهو رقم يوحي بعودة نسق تصاعدي للنشاط الاقتصادي بعد سنوات من التذبذب والتحديات المالية، لكن هذا الرقم يطرح إشكاليات كبيرة على صعيد القراءة الواقعية للاقتصاد، فهل يعكس النمو فعلاً تعافيًا حقيقيًا أم مجرد تحسن موسمي و مؤقت في بعض القطاعات؟ وهل تكفي نسبة 2،5 % لاستعادة ثقة المستثمرين وإحداث تأثير ملموس على مستوى معيشة المواطنين؟ وما مدى انعكاس هذا النمو على البطالة وقدرة الاقتصاد على الاستدامة؟
هذه الأسئلة تجعل من الضروري تحليل المؤشرات الاقتصادية بتفصيل، وربطها بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لفهم ما إذا كان الاقتصاد التونسي فعلاً على أعتاب مرحلة إقلاع جديدة أم أنه يقف في مرحلة انتقالية حذرة بين الركود والتعافي.
مؤشر النمو السنوي و تحسن محدود
تشير الأرقام التفصيلية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل ارتفاعًا بنسبة 2,7% خلال الثلاثي الرابع من 2025 مقارنة بنفس الفترة من 2024، وهو ما يوحي بأن الاقتصاد أنهى العام على نسق تصاعدي. هذه النسبة تحمل دلالات إيجابية، لكنها تعكس نموًا محدودًا نسبيًا لا يرتقي إلى مستوى الطفرة الاقتصادية، فغالبًا ما تحقق الاقتصادات الخارجة من الركود نسب نمو أعلى بكثير في المراحل الأولى من التعافي، مستفيدة من أثر الارتداد في الإنتاجية واستئناف الاستثمارات. كما أن هذا النمو السنوي لا يعكس بالضرورة تحولات هيكلية عميقة، إذ يمكن أن يكون جزءًا من تحسن مؤقت في قطاعات محددة دون أن ينعكس بشكل كامل على البطالة والدخل العام. ومن هذا المنطلق، يبدو النمو التونسي الحالي مؤشر صمود أكثر منه علامة توسع حقيقية، ما يجعل مراقبة استمرار هذا النسق في الأرباع القادمة أمرًا أساسيًا لتقييم عمق التعافي.
النمو الفصلي وحذر مستمر
إذا انتقلنا إلى النمو الفصلي، أي مقارنة الربع الرابع بالربع الثالث من 2025، نلاحظ تسجيل زيادة بنسبة 1٪ فقط. هذا الرقم يشير إلى استمرار النشاط الاقتصادي لكنه يكشف عن وتيرة توسع بطيئة نسبيًا، ما يعكس أن الاقتصاد يتحرك بخطوات محسوبة دون اندفاع قوي و النمو البطيء عادة ما يكون مؤشراً على وجود عوامل كبح مثل ضعف الاستثمار أو الضغوط المالية المستمرة، وهو ما يخلق نوعًا من الهشاشة في مسار الانتعاش.
من جهة أخرى، تعكس هذه الوتيرة التوازن الدقيق بين عناصر الدعم وعوامل الكبح، وهو ما يجعل الاقتصاد في مرحلة انتقالية بين الاستقرار النسبي ومحاولات الانطلاق، حيث تحتاج هذه المرحلة إلى سياسات اقتصادية دقيقة لتعزيز الزخم دون التسبب في اختلالات مالية أو تضخمية محتملة.
تشير القراءة الهيكلية إلى أن الاقتصاد التونسي ما يزال يواجه تحديات كبيرة تعيق الاستفادة الكاملة من النمو المسجل. والتحسن في بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية لم يترجم بعد إلى زيادة ملموسة في فرص العمل أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين. والنمو الاقتصادي الحقيقي يقاس بقدرته على تحويل الموارد إلى فرص عمل ملموسة، وتعزيز النشاط الاستهلاكي، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي. إذا لم يشعر المواطن بتحسن واضح في حياته اليومية، فإن النمو يظل مؤشرًا نظريًا لا أثر له على الواقع والفجوة بين النمو المعلن وتأثيره الملموس على المجتمع تظل أكبر اختبار لقدرة الاقتصاد على الاستدامة، وهو ما يجعل استمرار المراقبة الدقيقة للسياسات والإصلاحات أمرًا ضروريًا لضمان أن النمو ليس مجرد رقم في التقارير، بل قوة تحويلية للواقع الاقتصادي والاجتماعي.
السياق العالمي و النمو كعلامة صمود
لا يمكن تقييم الأداء المحلي بمعزل عن السياق الدولي الذي يشهد تباطؤًا اقتصاديًا نسبيًا نتيجة تشديد السياسات النقدية وارتفاع تكلفة التمويل وتقلب الطلب في الأسواق العالمية. في هذا الإطار، أي نمو إيجابي، حتى لو كان متوسطًا، قد يُعتبر علامة على قدرة الاقتصاد على الصمود وليس على توسع سريع. الدول التي تحافظ على نمو مستمر في مثل هذه الظروف تُظهر مرونة وقدرة على التكيف، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على تحقيق طفرة تنموية. لهذا، فإن النمو التونسي يمكن فهمه كإشارة إلى استقرار نسبي، ولكنه بحاجة إلى دعم عبر سياسات هيكلية لتعزيز الإنتاجية وجذب الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال.
إن للنمو الاقتصادي بعد نفسي مهم، إذ أن الإعلان عن نتائج إيجابية يبعث إشارات طمأنة للمستثمرين والأسواق، ما قد يحفز النشاط الاقتصادي ويزيد من الاستثمارات. لكن هذه الثقة تبقى مشروطة بالاستمرارية، فالمؤشرات الإيجابية إذا لم تتعزز لاحقًا قد تفقد تأثيرها بسرعة. الثقة الاقتصادية، بطبيعتها تراكمية، تحتاج إلى مسار مستمر من التحسن لتعزيز النشاط الإنتاجي وجذب الاستثمارات طويلة المدى. ولذلك، فإن متابعة النسق التصاعدي في الفترة المقبلة يعد عنصرًا أساسيًا لتحديد ما إذا كان النمو الحالي سيترجم إلى طفرة حقيقية أم سيبقى مجرد تحسن مؤقت في تقرير رسمي.
من الرقم إلى الانطلاق الحقيقي
في الواقع يقف الاقتصاد التونسي على مفترق طرق صعب المسرات فهو لم يعد في حالة الركود، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإقلاع الكامل حيث ان نسبة النمو البالغة نحو2،5 % تمثل تحسنًا تدريجيًا يحمل أملًا، لكنها تضع في نفس الوقت مسؤولية كبيرة على صانعي السياسات لتحويل هذا التحسن الجزئي إلى مسار مستدام.
المستقبل سيكشف ما إذا كان هذا الرقم بداية لانطلاقة اقتصادية حقيقية، معززة بالإصلاحات الهيكلية والدعم الاستثماري، أم مجرد مؤشر مؤقت لم يترجم بعد إلى واقع ملموس. الرقم ليس نهاية القصة، بل بداية المشهد الذي يحدد قدرة تونس على رسم مسار اقتصادي صلب ومستدام ينعكس على حياة المواطن وثقة المستثمرين والقدرة على مواجهة التحديات المحلية والدولية.