كتاب الباحثة في علم الاجتماع منية الرقيق "المرأة التونسية من العطوبة الى التحرر " والتحولات الاجتماعية

صدر مؤخرا عن دار المنارة للنّشر والتّوزيع والطّباعة

اصدار جديد للكاتبة والباحثة في علم الاجتماع والأستاذة الجامعية د. منية رقيق تحت عنوان " المرأة التونسية من العطوبة الى التحرر " . وهذا العمل هو بحث سوسيولوجي يستند إلى مقاربة سوسيو-كلينيكية تعتمد سيرة الحياة أداةً تحليلية لفهم تفرد المرأة التونسية في سياق تحولات تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة.
وقد تم تقديم كتاب د. رقيق في ندوة فكرية بتنظيم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الانسان مكتب تونس وأدار الجلسة د. عبد الرّحمن الهذلي .
الفردانية النسوية في تونس
وفي تقديمه للكتاب قال الهزيلي بأن الباحثة تنطلق من فرضية مفادها أن الفردانية النسوية في تونس لم تكن مسارًا خطّيًا صاعدًا، بل تشكّلت داخل توترات دائمة بين الفضاءين العام والخاص، وبين وعود التحرر وحدود الواقع الاجتماعي.
وأشار الى أن الكتاب يعتمد على ثلاث سير نسائية تنتمي إلى أجيال مختلفة من جهة نابل: بية، روضة، أميرة. ورأى ان الكاتبة نجحت في جعل هذه النماذج "مخبرًا اجتماعيًا" تُقرأ من خلاله تحولات القيم، وأنماط التمثّل، وموازين السلطة الرمزية داخل العائلة، والمدرسة، وسوق العمل، والفضاء السياسي. لا تُقدَّم هذه السير بوصفها حالات استثنائية، بل كوقائع دالة على بنى أعمق تُنتج التفاوت، وتُعيد توزيع الأدوار وفق منطق أبوي متجدد.
ويشير الى أن الباحثة تُبرز مفهوم "العطوبة" بوصفه استعارة مركزية: عطوبة الإبداع، وعطوبة الاعتراف، وعطوبة الجسد والخيال، حين تُحاصر المرأة داخل أدوار نمطية تُكافئ الامتثال وتُعاقب الاختلاف. في المقابل، يظهر التحرر لا كحدث نهائي، بل كمشروع ذاتاني طويل النفس، محفوف بالانتكاسات، يتغذّى من التعليم والعمل والوعي النقدي، لكنه يصطدم باستمرار بعوائق مؤسساتية وبثقافة اجتماعية مترددة في قبول استقلالية المرأة.
وقال الهزيلي بأن العمل قيمة مضافة من دقته في إدارة المقابلات وتحليل الخطاب، ومن حساسيته الأخلاقية تجاه أصوات النساء المبحوثات. أما على المستوى الفكري، فيفتح نقاشًا ضروريًا حول كلفة التحرر حين يُطلب من المرأة أن تنجح "مرتين"، مرة داخل منطق المجتمع، ومرة خارجه. بذلك، لا يكتفي الكتاب بوصف المعاناة، بل يُسائل شروط تجاوزها، ويقترح أفقًا نقديًا لفهم التفرد بوصفه سيرورة تاريخية واجتماعية، لا امتيازًا فرديًا معزولًا.
مظاهر التغيير الاجتماعي
وتحاول الدكتورة منية الرقيق في كتابها الإجابة عن تساؤلات عديدة متعلقة بمظاهر التغيير الاجتماعي والتحديث في المجتمع التونسي من خلال الفاعل الاجتماعي. وتعتبر أن المؤشر الدال على التغيير والتحديث في تونس هي المرأة الذات أو الفردية الفاعلة . واختارت الباحثة أن تواصل البحث السوسيولوجي الذي ما يزال يفرض نفسه بقوة مع ما تشهده البلاد التونسية من أحداث تدفع الى البحث والتساؤل . وتتساءل الكاتبة لماذا في جلّ فترات الازمات الاجتماعية الكبرى يحتل موضوع المرأة صدارة الاهتمام للحديث عن هذا الموضوع من منظر قيمي تقليدي كان الاعتقاد سائدا انه ولى ومضى ولكنه رجع بقوة في مستوى الخطاب وكذلك في ممارسات الاجتماعية. وخاصة فيما يتعلق بمبدأ الحرية والمساواة . وتتساءل الكاتبة ما الذي يجعل المرأة تقبل الهيمنة والسلطة بكل أشكالها . ومن خلال هذه التساؤلات تحاول الكاتبة فهم التحولات الفكرية والاجتماعية انطلاقا من دراسة الأجيال عبر ابراز الخيط الرابط والضروري المتحكم في تشكل الوعي لدى المراة التونسية بفرديتها مدخلا ضروريا لفهم دقيق للاضطرابات المتسارعة في واقعنا الاجتماعي الراهن .
واختارت الكاتبة البحث عن إمكانيات الفعل لدى المرأة التونسية وما طرأ عليها من تغييرات عبر الأجيال ليس من منظر العقلانية التنظيمية بل عبر منحها فرصة التعبير عن حردية فرديتها الذاتية وذلك عبر عملية التحاور مع ثلاث نساء كل امرأة تنتمي الى جيل معين جيل الأربعينات بية وجيل الستينات روضة وجيل الثمانينات اميرة . وتوضح الباحثة بأن مرجع اختيارها لهنّ يعود الى درجة امتلاكهن لقدرة الفعل في مختلف مجالات معيشتهن وفي مختلف مراحل حياتهن. وسعت الباحثة من وراء محادثاتهن الى كشف مسار التحول او التطور في المجتمع التونسي عبر مؤشر وعي المرأة بفرديتها ومدى حرصها على نحت ذاتية بعيدة عن الوصاية والتبعية والهيمنة الأبوية بمختلف أشكالها الأيديولوجية والفكرية والسياسية والثقافية . وتسعى الكاتبة الى الإجابة عن السؤال الذي تعتبره جوهر التحديث والتطور للمجتمع التونسي عبر أي مشروع سيتحقق المرأة تحررها الذاتي؟
وقالت الكاتبة انه بالعودة الى مفهوم الفرد الذي يرتبط عضويا بمفهوم الحق في بعده الثقافي ضمن براديغم التواصل بين الفاعلين الاجتماعيين نلمس ارتباطا وثيقا بين وجهات النظر التي تنطلق من الفاعل الاجتماعي ومن مطالبه ووضعيته عند التواصل مع الآخرين . وكذلك من فعل النساء اللواتي يطالبن بحقهن في تأسيس ذواتهن بأنفسهن ويرفضن أي تحديد مسبق لهن من قبل سلطة او رغبة من الآخر بل يطمحن الى اثبات ذواتهن وجوديا .
تحول المرأة كمؤشر للتغيير
واتخذت الباحثة كمؤشر للتغير في المجتمع التونسي عمليات تحول المرأة من كائن تابع ونتاج للحتميات الاجتماعية المختلفة بما فيها الاستهلاك الجنسي الى كائن مبدع وواع بذاته بالدرجة الأولى . واختارت الكاتبة منهجية " سيرة الحياة" التي تعكس بشكل مباشر أو غير مباشر مختلف التحولات الاجتماعية والثقافية والفكرية التي مرت بها المراة في اطار سوسيولوجيا الأجيال . وانطلقت الكاتبة من فرضية عمل تقرّ بأن المرأة تمثل جيلا عبر اختزالها لنمط من القيم والتصورات والتمثلات حول مختلف أوجه الحياة يترجم الى ممارسات من جيل الى آخر .
وتمكنت الباحثة من الوقوف على أهم التحولات التي مرّت بها البلاد التونسية خلال ثلاثة أجيال من جيل الأربعينات الى جيل الثمانينات مرورا بجيل التسعينات . واختارت نساء من أجيال مختلفة منطقيا لبناء فرضية عمل دالة لبحثها السوسيولوجي .
ويرجع حرص الكاتبة على دراسة سيرة " حياة " نساء من أجيال مختلفة الى رغبتها في الكشف عن الخيط الرابط والضروري بينهن للتعرف عن كيفية تشكيل الوعي لدى المراة التونسية بفرديتها كمدخل ضروري لفهم دقيق للاضطرابات المتسارعة في واقعنا الاجتماعي الراهن .
ان المراة الواحدة تختزل وعبر مختلف مراحل حياتها مجموع المعتقدات والمبادئ والقيم المهيكلة بشكل معمق لحياة جيل من النساء من خلال التأكيد على الأحداث الهامة التي ساهمت في تغيير اتجاه حياتها .
السعي الى التحرر
والرهان اليوم بالنسبة للباحثة يتعلق بدراسة العلاقة بين السعي الى التحرر والتخلص من الخضوع. لذلك لا يمكن تناول هذه الإشكالية دون الاهتمام بكيفية صنع المرأة التونسية طيلة الأجيال الثلاثة من تاريخ تونس الحديث. وذلك في اطار العلاقة بالفعل الجماعي الذي لا ينفصل عن الصراع الاجتماعي من أجل السلطة عبر البحث عن الأبعاد الذاتية التي نحملها في أنفسنا أو عبر الصراع المتواصل ضد الهيمنة الدائمة في المجتمع والمتحكمة في الذات سواء في عالم السلع او في عالم السلط الجماعية .
ولاحظت الباحثة ان النساء الثلاث اللواتي حاورتهن يعبرن عن أنفسهن من خلال مشاركتهن في الحياة العامة وفي المجال السياسي كأفراد يعطين للبعد الثقافي الأولوية المطلقة لما له تأثير في حياتهن الخاصة وعلاقتهن بالآخر التي تقوم على القيم الأخلاقية والتمثلات الاجتماعية للحياة والحرية وللمعاناة .
اعتمدت الباحثة على مفهوم المحنة كجزء لا يتجزأ من سيرة الحياة التي تنقسم على أساسها الى ثلاثة مستويات وهي فترة التدريبة والتكوين التنشئة ووضعية الاختبار أي التجارب والمحن والصعوبات والعراقيل وأخذ القرار مجموع الاختيارات للتحول كل سيرة شخصية وفي اطار مجتماعاتنا الراهنة الى واقع اكثر تعقيدا . يشار الى ان الباحث والمفكر دانيلو مارتوتشيلي هو أحد ابرز منظري السوسيولوجيا الفرنسية المعاصرة ويعرف أساسا بمقاربته التي تعيد التفكير في علاقة الفرد بالبنى الاجتماعية من خلال مفهوم الاختبارات الاجتماعية (épreuves sociales).
في هذا السياق قامت الباحثة بحديث معمق مع ثلاثة نساء يشتركن في قدرتهن على الفعل من أجل التحرر ضمن سياقات مختلفة ومتعددة تنبئ بولادة مشروع المرأة الفرد الفاعلة بذاتيتها المستقلة وذلك بعد مرور عامين من احداث ديسمبر 2010 وجانفي 2011 أي في فترة عاش فيها المجتمع التونسي على وقع منعرج سياسي جديد لبناء الديمقراطية التشاركية بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 . في هذه الفترة الحساسة من تاريخ تونس الحديث والمعاصر اختارت الباحثة التحاور مع نساء شاركن في مختلف مراحل تحرر الوطن وكذلك تحرر الانسان رغم اختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية التي ينتمين اليها .
هذا الكتاب هو محاولة من الباحثة لفهم التحولات الفكرية والاجتماعية في تونس انطلاقا من دراسة الأجيال متجاوزة التحليل النفسي المبسط لتفسير تطور الأجيال.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115