الملف الليبي منذ سنوات، تأتي واقعة اغتيال سيف الإسلام القذافي لتعيد رسم خطوط الجدل الداخلي والإقليمي حول مستقبل البلاد، وتفتح فصولا جديدة من التحليل السياسي والدولي. فقد صدمت أنباء مقتله، في عملية مسلحة غامضة داخل مقر إقامته في مدينة الزنتان، الرأي العام الليبي والعالمي، وأثارت ردود فعل متباينة بين من يعتبرها نهاية لمرحلة وبداية لأخرى أعمق من الانقسام، وبين من يخشى من تفاقم الصراع المسلح والسياسي في بلد ما زال يعاني من هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها.
وفي هذا السياق، يرى محللون ليبيون في تصريحات لـ''المغرب'' أنّ اغتيال سيف الإسلام ليس مجرد حادث أمني عابر، بل صورة من صور الصراع السياسي المحتدم داخل ليبيا. فقد كان سيف الإسلام، ابن الزعيم الراحل معمر القذافي، شخصية رمزية أثارت انقساما واسعا في المجتمع الليبي. وتشير تحليلات متعمقة إلى أن مقتله يأتي في وقت تحاول فيه قوى محلية وإقليمية ترتيب أولوياتها السياسية عبر حوار دولي تقوده الأمم المتحدة برعاية أمريكية، ما يجعل وقع الحدث بالغ الحساسية على مستوى التحولات الداخلية.
وقد عبرت جهات رسمية عن قلقها من تداعيات هذا التطور، إذ أعلن النائب العام الليبي مباشرة تحقيق شامل لكشف ملابسات اغتياله، وشدد على أهمية ضبط السلاح وضبط النفس بين القوى السياسية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب ومنع ضرب جهود المصالحة الوطنية المتعثرة منذ سنوات. كما دعا رئيس المجلس الرئاسي إلى تحمّل المسؤولية من قبل جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، مع التركيز على عدم استغلال الحادث لتحريض العنف والكراهية.
وتشير التحليلات السياسية إلى أنّ مقتل سيف الإسلام قد لا تغيّر بشكل جوهري موازين القوى على الأرض، لكنها بلا شك تترك فراغاً رمزيًا لدى تيار أنصار النظام السابق، وقد تستغل من قبل أطراف فاعلة لتعزيز نفوذها في المرحلة القادمة، لا سيما في ظل الانقسام القائم بين حكومتين وجسمين تشريعيين في شرق وغرب ليبيا، وسعي القوى الدولية لتسريع خارطة طريق تؤدي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.
في ضوء هذه التطورات، يظل المشهد الليبي معقدا ومتصدعا على مستويات متعددة — من الصراع على الأرض إلى الصراع على الشرعية السياسية والرمزية —، وتؤكد الأحداث الأخيرة أن ليبيا ما زالت تواجه تحديات كبيرة في سعيها نحو الاستقرار والتوافق الوطني الشامل.
=
عبيد أحمد الرقيق الكاتب والمحلل السياسي الليبي لـ''المغرب''
"مقتل سيف الإسلام القذافي جريمة اغتيال سياسي مكتملة الأركان "
''العملية السياسية في ليبيا تسير نحو بوادر انفراج برعاية أمريكية مباشرة عبر بعثة الأمم المتحدة''
قال الكاتب الليبي عبيد أحمد الرقيق لـ''المغرب'' أن مقتل سيف الإسلام القذافي لا يمكن النظر إليه كحادث أمني عابر، بل هو جريمة اغتيال سياسي مكتملة الأركان، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وستترك انعكاسات واضحة على المشهد الليبي، لا سيما على مستوى التحالفات القبلية والمناطقية.
وفي تقييمه لتداعيات الحادث، اعتبر الرقيق أن الاغتيال لن يُحدث تغييرا مباشرا في موازين المشهد السياسي أو الأمني، لأن سيف الإسلام كان يمثل تأثيرا اجتماعيًا ورمزيًا أكثر منه فاعلا سياسيا على الأرض، مؤكدا أن القوى التي تتحكم فعليا في ليبيا هي الأطراف المسلحة المسيطرة غربا وشرقا، وأن الحراك الدولي والاجتماعات الجارية، بما فيها اللقاءات التي تُعقد في فرنسا، لن تتأثر بغيابه.
ماهي قراءتكم لهذا التطوّر بالغ الحساسية في ليبيا بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي؟ ماهي أبعاده وأسبابه برأيكم ؟
هذا التطوّر فعلا بالغ الحساسية على الساحة الليبية لأن أبعاده ستنعكس على المشهد الليبي بشكل مؤثر فيما يتعلق بسلسلة التحالفات القبلية والمناطقية على وجه التحديد. فسيف الإسلام يمثل تيار أنصار النظام السابق وقيادتهم الأساسية وجميع أطياف الشعب الليبي القبلية المعارضة لفبراير تعتبره القائد الرمز بعد أبيه، ويعوّلون عليه لقيادة المرحلة خاصة ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية التي ينتظرها الليبيون وبرحيله يمكن القول أنّ تيار أنصار القذافي قد فقد أي حضور له على الساحة الليبية على مستوى القيادة وانه سيعاني كثيرا بحثا عن خليفة سيف وقد لا يجدون بالنظر إلى بعض الخلافات السياسية داخل التيار نفسه والذي كان سيف الإسلام ركيزة وحدته وتماسكه.
أسباب الاغتيال لا تخرج عن كونها سياسية فهي جريمة اغتيال سياسي مكتملة الأركان آذ أنّ التيار المتشدد في فبراير لازالوا يصنفونه عدوا وخصما ويتمسكون بالحكم الصادر في حقه غيابيا بالإعدام عام 2015، ولا يعترفون بقانون العفو العام الذي صدر عن مجلس النواب عام 2017 بدعوى أنّ القانون يشمل فقط من امتثلوا للمحاكم وحوكموا حضوريا لا غيابيا...
في مدينة الزنتان التي احتضنته هناك تياران تيار يعترف بقانون العفو عن سيف الإسلام ويعتبرونه حرا طليقا وبريئا ، وتيار يصر على تجريمه وضرورة تنفيذ الحكم بالإعدام فيه . ولهذا كانت مسألة حمايته معقدة ومتوقع جدا أن يحدث ما حدث في ظل هذا الوضع .
ماهي برأيكم التداعيات القريبة لهذا الحدث على المشهد السياسي الليبي ، خاصة وان هناك أنباء عن اجتماعات لأطراف ليبية في فرنسا بحضور ممثلين عن أطراف دولية؟
لن تكون هناك تداعيات على المشهد الليبي السياسي لأن ما كان يشغله سيف الإسلام هو اثر اجتماعي فقط ، ولهذا فإن من يشكل ويتحكم في المشهد السياسي والأمني الفعلي في ليبيا هي الأطراف التي تمتلك القوة والسلطة الآن غربا وشرقا واجتماعات فرنسا لم ولن تتأثر بغياب سيف الإسلام....
كيف كان وقع الاغتيال على الشارع الليبي ، ولدى أنصار النظام السابق ؟
الحقيقة كان وقع الاغتيال متباينا ففي الوقت الذي فرح به متشددوا فبراير ، وارتاح له حتى معتدلوا فبراير باعتباره يمثل النظام الذي ثاروا عليه وأسقطوه، كان أثره كبيرا جدا على أنصاره حيث يخيم الحزن العميق والحسرة على فقدانه لأنهم يدركون أنه بدونه سيتفكك وينفرط عقدهم ولم تعد لهم واجهة سياسية واحدة يلتفون ورائها .
لو تقدمون لنا صورة المشهد الراهن في ليبيا وكيف ترون مستقبل العملية السياسية ،هل هناك بوادر انفراجة ؟
المشهد الراهن في ليبيا كما هو معتاد يشهد حالة انقسام شرق وغرب، وحكومتين وجسمين تشريعيين وتوافق لتسيير الأمور من خلال ميزانية بترتيبات مالية للطرفين وحدود جغرافية لكليهما لا احد يتجاوزها .مع الإشارة إلى أن قوات الشرق تسيطر على ثلاثة أرباع الجغرافيا الليبية، وهذا الوضع أصبح أمرا واقعا منذ أكثر من 5 سنوات متتالية وثمة تنسيق أمني بين قوات الطرفين مما يمنع الاحتكاك...
العملية السياسية في ليبيا تسير نحو بوادر انفراج وهذه المرة برعاية أمريكية مباشرة عبر قنطرة بعثة الأمم المتحدة التي تدير الآن ما يسمى بالحوار المهيكل ، وطبعا لا نتجاهل التنسيق دولي لكل الدول التي هي مندمجة في الشأن الليبي والتي تدعم الطرفين تحت المظلة الأمريكية، اعتقد أنها مسألة وقت فقط ويتم التوصل إلى توافق بين الأطراف الليبية على خارطة طريق تحاول الأمم المتحدة رسمها الآن وبدعم من أمريكا وفرنسا وبريطانيا ومصر وتركيا ، تفضي إلى اختيار حكومة موحدة تتولى الإعداد والتجهيز لانتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة خلال هذا العام. سيف الإسلام جنى على نفسه نتيجة اعتقاده بأنه سيعيد عرش أبيه الذي انتهى وولى مما جعله يعيش حالة وهم غير مبررة ، باعتماده على تعاطف الكثير من الليبيين معه لكنه تجاهل أن من يمتلك القوة والسلطة على الأرض هم خصومه الذين وإن قبلوه مواطنا عاديا لا ولن يقبلونه منافسا على الحكم ، لقد أتيحت له فرصة عندما صدر حكم العفو وكان منطقيا أن يغادر ليبيا ويسلم نفسه للمحكمة الجنائية التي لن يطول حبسه فيها لمدة تتجاوز ما قضاه داخل ليبيا وهو مقيد الحركة والظهور .
محمد علي المبروك الكاتب والمحلل السياسي الليبي لـ''المغرب"
قال الكاتب الليبي محمد علي المبروك لـ''المغرب" أنّ التطوّرات الليبيّة الأخيرة واغتيال سيف الإسلام القذافي جاءت لأنّ سيف الإسلام طرف قوي في ليبيا وله نسبة كبيرة من المؤيدين والأنصار ولو انتخب سيهدّد الأطراف الأخرى بالاستبعاد ، مضيفا أنّ "الاغتيال ستكون له تبعات سلبيّة لوجود مؤيدين له وسيجر ليبيا للمزيد من القلق والزعزعة ، فرحيل سيف الإسلام لن يترك الخيار للنهوض بليبيا كبلاد عادلة لأنّ الأطراف الحاكمة الآن والمناوئة لسيف الإسلام سيمدد حكمها الذي لم يصنع لليبيا إلا التدهور والانحدار".
وتابع الكاتب الليبي حول ردّة فعل الشارع الليبي على عملية الاغتيال " كان هناك غضب لنسبة كبيرة من الشعب الليبي بينما هناك ارتياح لنسبة من أنصار فبراير والمستفيدين من الأوضاع الحالية لليبيا ''.
وبخصوص تأثير هذه التطوّرات على العمليّة السياسيّة في ليبيا خاصّة في ظلّ تقارير عن اجتماعات دوليّة بحضور الأطراف الليبية في باريس ، قال الكاتب الليبي أنه ''سيحدّ من الحرية السياسية وسيوجّهها بما تهدف إليه الأطراف التي تملك السلاح والتي تنفذ الاغتيال والقتل''.
جمال المبروك الناشط الحقوقي الليبي ورئيس منظمة الإغاثة والتعاون لـ''المغرب"
قال الناشط الحقوقي الليبي ورئيس منظمة الإغاثة والتعاون جمال المبروك لـ''المغرب" أنّ "حادثة قتل المترشح الرئاسي المواطن سيف الإسلام معمر القذافي خارج نطاق القانون أعادت فتح جروح ليبيا".
وأضاف :'' على جميع القوى وكافة الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية عدم الانجرار وراء المعلومات المغلوطة،وانتظار نتائج التحقيق التي باشرت مهمتها تنفيذا لتعليمات النائب العام لضمان عدم الإفلات من العقاب،وعلى الجميع رفض أسلوب التحريض على العنف والكراهية".
وتابع أنّ '' ليبيا لا يجب أنّ تدار بالعنف والكراهية والإقصاء...فالدّول تُبنى بالحوار والمصالحة الوطنية وبسط سيادة القانون واحترام آدمية الإنسان وكرامته وحقوقه في المواطنة''.
"اغتيال سيف الإسلام جريمة سياسية ستقلب المعادلات في ليبيا