قهوة الأحد: لماذا تقدمت كوريا وتراجعت تونس ؟

قراءة في الكتاب الجديد لمصطفى كمال النابلي
لماذا تقدمت كوريا وتراجعت تونس ؟ يثير هذا السؤال الكثير من الأرق والقلق عند الكثير من التونسيين.

ولا تقتصر الحيرة من هذا السؤل على جموع الاقتصاديين الباحثين في مجال التنمية بل تمتد إلى الكثير من التونسيين من ناشطين سياسيين وفاعلين اقتصاديين وحتى من الناس العاديين.فالأرقام الرسمية والسردية والدراسات الاقتصادية والتاريخية تشير إلى أن بلادنا كان لها نفس مستوى النمو والتطور الاقتصادي لكوريا الجنوبية في بداية الستينات.إلا أن هذه الصورة انقلبت رأسا على عقب حيث أصبحت كوريا إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة عضوا في مجموعة العشرين للقوى الاقتصادية الأكثر نفوذا في العالم بينما تراجعت بلادنا بطريقة كبيرة لتصبح سجينة ما يسميه الاقتصاديون ‹»بفخّ البلدان المتوسطة» أو (la trappe des pays intermédiaires) أي غير قادرة على مواصلة ديناميكية التنمية والتحول الاقتصادي لدخول نادي البلدان ذات المداخيل العالية والمتقدمة .
شكل هذا العجز عن مواكبة نسق التنمية الذي عرفته كوريا ومن بعدها العديد من بلدان شرق آسيا كتايلندا وماليزيا واندونيسيا ثم الصين والفياتنام موضوع قلق وحيرة عند الكثير من التونسيين خاصة وأن ظروف الانطلاق كانت متشابهة .وبالرغم من أهمية هذا التساؤل ومركزيته لفهم أسباب تراجع بلادنا وعدم قدرتها على الخروج من «فخّ» النمو الضعيف والهش إلا أن ذلك لم يلق الاهتمام الكافي من قبل المفكرين والباحثين .واقتصرت بعض الدراسات القليلة في هذا المجال على جوانب قطاعية دون إعطاء إجابة ضافية وشاملة .
وهنا تكمن أهمية الإصدار الجديد للوزير ومحافظ البنك المركزي السابق الأستاذ مصطفى كمال النابلي مع الاقتصادي Jeffrey Mugent من حيث محاولة تقديم إجابة شاملة عن أسباب تقدم كوريا وتراجع بلادنا .صدر هذا الكتاب منذ ايام باللغة الانقليزية تحت عنوان Tunisia’s economic developpement-why better thar most of the midlle east but not east Asia» عن دار نشر Routhedqe وهي دار نشر معروفة ومختصة في الكتب العلمية.
وقدم الأستاذ النابلي كتابه الجديد في ندوة فكرية بوم الخميس 22 ديسمبر 2022 بالفضاء الجديد لمكتبة الكتاب في ميتيالفيل لصاحبته سلمى جباس والذي سيكون من دون شك وجهة المثقفين في العاصمة وسيلعب دورا كبيرا في إحياء الحياة الثقافية والنقاش الفكري .
وقد قدم الوزير السباق والأستاذ عبد الرزاق الزواري قراءة ضافية لمحتوى الكتاب وهم نتائجه وتحاليله مما أعطى إمكانية للحضور من النقاش والخوض في قضايا جوهرية وأهم مستقبل التنمية في بلادنا والخروج ولو لبعض الوقت عن القضايا الآنية التي تسيطر على النقاش الاقتصادي العام ولا تعطي للرؤى والتصورات الإستراتيجية الأهمية التي تستقيها .

إن ثراء هذا الكتاب يسمح بقراءته من زوايا مختلفة ومتعددة وسأحاول في هذه القراءة التوقف على قراءة أهم نتائج البحث والفرضيات التي قدمها مصطفى النابلي لتفسيرها ومن ثم انعكاساتها النظرية.
في رأيي تعتبر أهم نتيجة أشار إليها الكاتب أن النتائج الاقتصادية التي عرفتها بلادنا في ستة عقود من التنمية (1960-2010) أحسن بكثير من نتائج البلدان العربية ولكنها في نفس الوقت اقل من نتائج بلدان شرق آسيا .وقد قدم الكاتب عديد المعطيات الدقيقة والأرقام لدعم هذه النتيجة وحاول في نفس الوقت تقديم بعض الفرضيات لتفسير وقراءة هذه النتائج .كما لم تقف هذه القراءة عند القراءة المقارنة بين تجربتنا التنموية وتجربة بلدان شرق آسيا بل انتقل إلى مجال نظريات التنمية ليضبط بعض الفرضيات ويساهم بالتالي في النقاش العالمي والمخاض الذي يعيشه هذا المجال .

• لماذا تفوقت تونس على البلدان العربية ؟
قدم الكاتب العديد من المعطيات الدقيقة والمرقمة التي تشير إلى تقدم تونس على البلدان العربية في أغلب مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبشرية .ولعل المسألة الأهم في هذا المجال تلك التي تخص أسباب ريادة التجربة التنموية التونسية مقارنة بالتجارب العربية في المنطقة .
وفي هذا المجال يشير مصطفى النابلي إلى سبعة عناصر أساسية ساهمت في تفوق تجربة التنمية في بلادنا بالرغم من ضعف الإمكانيات المالية مقارنة بالبلدان البترولية .
وأول هذه العناصر وجود رؤية ومشروع تنموي تشاركي من خلال الخطط التنموية التي تم تحديدها منذ السنوات الأولى للاستقلال .وقد صاحبت هذا التصور الاستراتيجي للتنمية مؤسسات الدولة الحديثة التي كانت قادرة على تطبيقها وانجازها.وفي رأيي اعتبر الفقدان التدريجي لهذا العنصر منذ بداية الألفية كان وراء الأزمات الكبيرة التي ستعرفها بلادنا وفقدانها لقدرة على التحكم في ديناميكية التنمية .
أما العنصر الثاني الذي لعب دورا مهما في نجاعة مسار التنمية في بلادنا فيهم استقرار التوازنات الاقتصادية الكبرى والحذر الذي صاحب السياسات الاقتصادية لتفادي الأزمات الكبرى .
ويهم العنصر الثالث المستوى الكبير للاستثمار في رأس المال البشري مما أعطى فرصا كبيرة للمساواة والعدالة .وقد شكلت الاستثمارات في مجالي الصحة والتعليم والدور التعديلي للدولة أسس العقد الاجتماعي لدولة الاستقلال .
إلى جانب هذه العناصر اضاف الباحث عنصرا رابعا مهما ساهم في صلابة التجربة التنمية في العقود الأولى للاستقلال وهي الاستثمارات الهامة في البنية التحتية .والى جانب دورها في النمو كان لهذه الاستثمارات دور في تنمية الإنتاجية في بلادنا .
أما العنصر الخامس الذي ساهم في الديناميكية التي شهدتها عملية التنمية فيهم الدفع الذي تحصلنا عليه من الانخراط والانفتاح على الاقتصاد العالمي منذ بداية السبعينات .
كما اضاف الباحث عنصرا سادسا لعب دورا مهما في العملية التنموية في بلادنا ويهم آليات توزيع الموارد المحدودة بين الاولويات وقدرة الدولة على تعديلها بطريقة سلسة.
أما العنصر السابع فيهم الحقوق والواجبات والتي يعتبرها الاقتصاد المؤسساتي حجر الزاوية في بناء نظام اقتصادي شفاف يحمي الأفراد والمؤسسات .وقد أشار الباحث في هذا المجال إلى حماية حقوق الملكية والمساواة بين الرجل والمرأة .
وقد ساهمت جملة هذه العناصر في دعم العملية التنموية في بلادنا لتجعل منها تجربة رائدة في المنطقة العربية جعلت بلادنا - على الأقل في العقود الأولى - من تجربة الدولة الوطنية- تتبوأ مواقع متقدمة مقارنة بالبلدان العربية الأخرى.
إلا أن هذه العناصر - على أهميتها - لم تكن كافية لتمكين بلادنا من مجاراة نسق التنمية في بلدان شرق آسيا مما يفسر تراجعنا مقارنة بالبدايات .

• لماذا تراجعت بلادنا مقارنة ببلدان شرق آسيا ؟
لئن نجحت بلادنا في التميز مقارنة بالبلدان العربية إلا أنها تراجعت بطريقة كبيرة مقارنة بالبلدان الآسيوية .فإلى جانب الأرقام والمؤشرات الإحصائية الدقيقة لدعم هذه النتيجة قدم الباحث سبعة أسباب أساسية تفسر أسباب هذا التراجع وبقاء بلادنا سجينة فخ البلدان متوسطة الدخل .
العنصر الأول يهم ضعف مستويات الادخار في بلادنا والذي كان وراء ضعف معدلات الاستثمار مقارنة ببلدان شرق آسيا .
أما العنصر الثاني والذي يفسر اختلاف المسارات بين بلادنا وبلدان شرق آسيا فيهم الإصلاح الزراعي الذي عرفته اغلب البلدان الآسيوية والذي ساهم في إعطاء ديناميكية هامة لهذا القطاع ويساهم في عملية تراكم رأس المال إلى جانب مساهمته في محاربة الفقر.
ويخص العنصر الثالث الطابع المحدود لمسك التكنولوجيا وتحويلها إلى بلادنا .اذ لم تكن بلادنا قادرة على ضبط سياسية قوية وجريئة في هذا المجال مما جعلنا نعاني من التبعية في هذا المجال .
ويهم العنصر الرابع الذي يشير إليه الباحث مسارات التكوين المهني وابتعادها تدريجيا عن حاجيات المؤسسات والقطاعات الاقتصادية .
كما يشير الباحث إلى عمليات تمويل التنمية وعدم قدرة بلادنا على تطوير مؤسسات تمويل فعالة وقادرة على توفير حاجيات القطاع الخاص .
أما العنصر السادس الذي يشير إليه الباحث فيهم ضعف السياسة الجبائية وعدم قدرتها على دفع النمو في فترات الأزمات .
ويهم العنصر السابع عدم الاستفادة الكافية من السوق العالمية والتنوع المحدود لنسيجنا الاقتصادي .وبالرغم من انفتاح بلادنا على الاقتصاد العالمي منذ بداية السبعينات الا انها لم تكون قادرة على التكيف مع التطورات التي عرفها الاقتصاد العالمي وبصفة خاصة ظهور سلاسل الإنتاج العالمي.
وقد لعبت هذه العناصر دورا أساسيا في تراجع تجربتنا التنموية عن تجارب بلدان شرق آسيا.إلا أن هذا الكم الهائل من الأرقام والإحصائيات والتحاليل سيكون نقطة انطلاق الباحث للمساهمة في النقاش العالمي حول مستقبل التنمية وكيفية الخروج من فخ البلدان المتوسطة .

• أي مستقبل للتنمية في عالم ما بعد العولمة
مكنت هذه القراءة المتأنية والدقيقة للتجارب التنمية المقارنة بين بلادنا والمنطقة العربية بشكل عام وبلدان شرق أسيا التي نجحت في التخلص من فخ البلدان المتوسطة مكنت الباحث من الوصول إلى نتائج عامة تهم نظرية التنمية ومستقبلها في عالم اليوم .ويمكن لنا في هذا الكتاب المهم الوقوف مع الباحث على عديد الدروس من هذه التجارب المقارنة .وسأشير في هذا المقال إلى أربع مسائل أساسية أكدت عليها هذه الدراسة .
المسألة الأولى تهم علاقة السياسي بالاقتصادي .فالتنمية تبرز من خلال هذه القراءة التاريخية للتجارب المقارنة كمسار معقد يلتقي فيه السياسي بالاجتماعي والاقتصادي.لقد أثبتت هذه التجارب أن المشاريع التنموية تشترط وجود حد أدنى من المشاركة والانفتاح على حركة المجتمع والحوار معه ليكون فاعلا في انجاز البرامج والاختيارات المجتمعية .

أما المسألة الثانية فتهم ضرورة وجود قيادات تاريخية وسياسية قادرة على تحديد التصورات الكبرى والرؤى التي تفتح المجال لتجارب جمعية جديدة تساهم في إعادة بناء الأمل في فترات الشك والأزمات الكبرى .
أما المسألة الثانية فتخص العلاقة التي نجحت تجارب شرق آسيا في ربطها بين دور الدولة والسوق والقطاع الخاص .وقد أثبت الجانب البراقماتي لهذه العلاقة ضرورة الخروج من الجانب الإيديولوجي في التعاطي مع دور الدولة أو السوق في التجارب التنموية.وقد ارتكزت هذه العلاقة على التعاطي السلس والتعامل البراقماتي بين طرفي المعادلة الأساسية من دعم وحماية من جهة ومنافسة وانفتاح من جهة أخرى لدفع النمو ودعمه .
أما المسالة الرابعة - والتي لا تقل أهمية - فترتبط بقدرة مؤسسات الدولة على التغيير والتحول من اجل مواكبة التطورات والتحولات العالمية الكبرى .

وقد قدم الأستاذ مصطفى كمال النابلي في كتابه الجديد عديد التحاليل والقراءات للإجابة على السؤال الذي ارقنا لعقود طويلة حول سبب تراجعنا أمام تقدم بلدان شرق آسيا .وتشكل هذه التحاليل والفرضيات التي قدمها الباحث نقطة انطلاق لنقاش جدي حول سبل الخروج من أزماتنا الاقتصادية وكل ما نتمناه أن يحين الوقت قريبا للانطلاق في هذا النقاش الجدي والحقيقي القادر على فتح آفاق جديدة لتجربتنا الديمقراطية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا