خفايا ومرايا: للحقيقة وجه آخر

 
مهما سيكون اتجاه الأموربعدها، سيسجل التاريخ 17 ديسمبر 2022 الذي أُريد له أن يكون بديلا عن 14 جانفي وموعدا لطي صفحة

« ما أُطلق عليه بمنظومة «الخراب»، كان اليوم الذي تجلى فيه الوجه الأخر للحقيقة بعد أن شهدت تونس أدنى نسبة مشاركة في «انتخابات» في ذلك في العالم منذ القرن الماضي وأكبر مهزلة انتخابية في تاريخها منذ الاستقلال.
فهل يمكن اعتبار أنّ ما حدث كان مفاجئ لدرجة كبيرة كي يُثير مثل هاته الردود المستغربة والمتناقضة ؟ في الحقيقة بشيء من التأمّل العميق في المنحى الذي اتخذه ما يسمّى بمسار 25 جويلية كان يمكن التوقّع له مثل هذه النهاية.... توقّع ذلك لأن البلاد تُركت البلاد قرابة الثلاثة أشهر بلا حكومة في الوقت الذي كانت فيه الأزمة المالية والاقتصادية تشتدّ وتتفاقم...لأنّه وقع اعتماد «استشارة « ، لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها ال 6 بالمئة قاعدة لكتابة «دستور جديد» وعدم الانتباه لعزوف 84 في المئة من الشعب...ولأنّ مليونين و800 مئة ألف من المواطنين الذين ذهبوا في ذلك اليوم القائظ من جويلية الماضي، للتصويت على «دستور» تسعين في المئة منهم لم يقرؤوا حرفا واحدا منه وبالرغم مما شاب كتابته من ارتباك وأخطاء ....ولأنّ الرئيس ضرب بدعوات أقرب المقربين منه من أحزاب ومنظمات وشخصيات لفتح حوار وطني عرض الحائط وحول انفراده بالسلطة إلى قانون ودوس الدستور الذي أقسم عليه إلى مشروع خاص به
لسائل أن يسأل لماذا رغم كلّ هذه العوامل السياسية إضافة للعوامل الاقتصادية التي باتت تلعب ضدّه تواصل ذلك الالتفاف الشعبي المنقطع النظير حول الرئيس ومشروعه لأ كثر من سنة وكلّ التي قطعها لم تلق صدّ يُذكر إلاّ من معارضة فقدت جزء كبير من مصداقيتها وبعض من النخب التي لا وزن لها ؟

بالفعل أنّ مسار25 جويلية يكاد يكون الاعب الوحيد الذي ظلّ على الساحة طوال الفترة المنصرمة ولم يكن له أي منافس كفء له، لذلك حتى لمّا يلعب ضدّ نفسه أو يسجّل الأهداف ضدّ مرماه لا يجد من يحاسبه كما أنّ ذلك المسار نجح في جعل ما يسمّيه بـ«العشرية السوداء» حاضرة دوما في أذهان الجمهور وكلّما لاحظ ارتفاع موجة التذمّر لديه من سوء إدارته لمشاكله، يذكّر ذلك الجمهور بقصص أشباح العشرية التي تسكن الغرف المظلمة وتحتكر وتتآمر وهي التي تقف وراء كلّ ما يحصل من سوء بالبلاد ، لذلك هنالك من يقول أنّه لا يوجد بديل واضح اليوم ليحلّ محلّ هذا المسار اليوم الذي سيتواصل لفترة قد تطول رغم كلّ عثراته لذا يجب التعامل معه بشيء من الواقعية والبراغماتية والبحث عن حلّ ضمنه، هذا الرأي في جانب منه له قدر من الوجاهة والصواب، لأنّه بالرغم من انفضاض قسم كبير من المناصرين من حول الرئيس واتساع دائرة الغضب الشعبي بسبب تأخّره في الإتيان بالحلول الاقتصادية والاجتماعية فإنّ ذلك لم يبلغ وضع مشروعيته ووجوده على رأس السلطة موضع شك أو تساؤل إلى حدّ الآن، كما أنّ المعارضات بقديمها وجديدها لا تمتلك القوّة للتقدّم كبديل في ظل الحروب القائمة في بينها وغرقها في أوحالها الداخلية، ومن الوهم الاعتقاد بإمكانية إيجاد حلول تشاركية في إطار منظومة الرئيس، خاصة بعد تلك التجربة المرّة التي عاشها بعض الأكاديميين الذين أرادوا عقلنة مشروع الرئيس ومطابقته مع المعايير السياسية والديمقراطية، وكلّ الذين حاولوا تحويل وجهة مشروع الرئيس أو التأثير فيه عادوا بخفي حنين وذلك لأنّهم إمّا لم يفهموه أو تغافلوا عن حقيقته ، لأنّ فهم الرئيس للديمقراطية مختلف تماما عن فهمهم لها وعن مفهوم

الديمقراطية السائدة وفق المعايير الدولية، فقد قالها «بعضم لسانه» أنّ الديمقراطية التمثيلية انتهمت ولم يعد بإمكانها التعبير عن إرادة ومن هناك اختار شعار «الشعب يريد» بعيدا عن الأحزاب والوسطاء والوكلاء وغيرهم من الأجسام الوسيطة كما ما جاء في الكتاب الأخضر للمرحوم معمّر القذافي «كلّ تمثيل تدجيل، لذلك فإنّ الرئيس ليس في منطق الإصلاح كما يتوهّم البعض، فالرئيس في منطق «الثورة»... وجوهر الثورة هو هدم كلّ القديم لبناء الجديد انطلاقا من الصفر، لذلك فهو في حالة حرب... حرب ليس على أعداءه المكشوفين فقط بل حتّى على أولئك الذين يصطفون وراءه لغاياتهم الخاصة أولئك الذي يهادنونه بسبب اختلال ميزان القوى لفائدته، لذلك الهبوط الحاد في نسبة المشاركين في الانتخابات التي أرادها حدّا فاصلا مع المنظومة السابقة والانطلاق في بناء منظومته لا معنى كبير له، لأنّه لا يمكن أن يكون السبب في ذلك خطأ في مشروعه بل الخطأ في فهم الجموع التي عزفت عن المشاركة في الانتخابات لواجبها الوطني أو نتيجة لما يقوم به المناوئون في تخريب الوعي الشعبي وفي كلّ الحالات فمشروعه لا يحتاج كثيرا لأعداد غفيرة هشة في قناعاتها ويكفي أقلية «مؤمنة وصادقة وصلبة» لتحمل المشروع وتجرّ وراءها تلك الجموع نحو» خلاصها النهائي.
وبعد كلّ هذا لا يوجد أي مؤشر لحصول أي تغيير أو تعديل لوجهة الأحداث والهوة بين الرئيس وبقية أطياف المجتمع مرشحة للاتساع أكثر، وتواصل هذا المشهد يبقى رهين مدى صحة ومتانة الغلاف المالي لاحتمال كلّ اللعبة التي تثقل عليه يوما بعد يوم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا