برج بابل: كرة القدم، العائلة ومسارات الهجرة

العلاقة بين كرة القدم والهجرة علاقة قديمة. حمل المهاجرون البريطانيون معهم اللعبة أينما حلّوا. علموها لمستعمراتهم وأقنعوا بها شعوبها إلى الحدّ الذي جعل كرة القدم مثل اللغة غنيمة حرب.

الجنود والقناصل والمهندسون والمبشرون والتجار، هؤلاء جميعا نشروا اللعبة وفرضوها على الجميع ومنذ ذلك الحين تعولمت كرة القدم وأصبحت العنوان الأبرز للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
كان هناك استثناء أمريكي، واختارت الولايات المتحدة الأمريكية لعبة أخرى غير كرة القدم التي نعرفها الآن. حُسمت المسألة في ظل ّصراع طويل بين الجامعات حول اللعبة التي يجب اعتمادها وقررت في الآخر جامعة هارفارد الشهيرة شكلا مغايرا لكرة القدم البريطانية في دفاع عن هوية أمريكية صاعدة تبحث عن الفرادة.

يُحكى أنّه في العام 1874 ولد شخص في مدينة ساوباولو البرازيلية من أب أسكتلندي مهاجر وأم ّ أنجليزية مهاجرة أيضا ، ذهب الفتي إلى إحدى المدارس البريطانية للدراسة وعاد في العام 1894 إلى مدينته ومعه قواعد لعبة جديدة وحذاء كرة قدم وبدأ في نشرها بين سكان ساوباولو إلى أن أقنع الجميع بسحرها وبدأت ديانة جديدة في التشكل. حدث هذا في أغلب مدن العالم التي استقبلت اللعبة بشغف كبير، وكانت مدن الموانئ هي الأكثر اهتماما وريادة.

كرة القدم محببة لدى المهاجرين، يجدون فيها طريقا ممكنا للاندماج والصعود الاجتماعي وإثبات الذات. أغلب المنتخبات الوطنية التي تشارك في كأس العالم لكرة القدم هي منتخبات مهاجرين من أصول شتى تجربة هذه البلدان الهجروية جعلت منتخباتها متعددة الإثنيات. وقد يكون هؤلاء المهاجرين الذين يشكلون منتخبا وطنيا أو جزءا منه سبب كل المآسي. حدث هذا بعد الهزيمة الدرامية لمنتخب السامبا في نهائي كأس العالم سنة 1950 وخسارته ضد منتخب الأوراغواي. سادت حينها ثقافة كره المهاجرين القادمين من إفريقيا واعتبروا المسؤولين عن الهزيمة وعن كل فظاعات المجتمع البرازيلي إلى الحدّ الذي جعل الجامعة البرازيلية لكرة القدم فكرت في قرار عدم إشراك اللاعبين ذوي البشرة السوداء في نهائي كأس العالم في السويد في 1958 إلا أنها تراجعت بعد ذاك . ولكن في سياق آخر وحين كسبت فرنسا كأس العالم سنة 1998 كان ذلك دافعا للحديث عن القدرة الفرنسية على الادماج بالرغم من السياسات العمومية التي تتبعها فرنسا في مسألة الهجرة والمهاجرين. ولكن هؤلاء المهاجرين يواصلون التشبث بكرة القدم كمسار إدماجي.

طلب الناخب الوطني المغربي وليد الرقراقي من رئيس جامعة كرة القدم إحظار عائلات كل لاعبي المنتخب المغربي لحضور المباريات. وتكفلت الجامعة بالمسألة من كل النواحي وبدأنا مع انتصارات المنتخب المغربي في التعرف على اللاعبين وأمهاتهم. لقد وضع اللاّعبون أمهاتهم نصب أعينهم وبدأوا في اللعب. وإثر كل نهاية مباراة ينتصر فيها المنتخب المغربي يتجه أغلب اللاّعبين إلى المدارج لمعانقة أمهاتهم، هناك من رقص مع أمه في ميدان اللعب تحت أنظار ملايين المشاهدين. وبدا المشهد وكأنه احتفال عائلي خاص مُعلن للجميع.

فكرة الناخب الوطني المغربي مدروسة وهي نتاج مسار هجروي تكون فيه الأم حجر الزاوية. الأمّ المهاجرة هي التي تسعى بكل السبل إلى إنجاح صورة العائلة في واقع مليء بالهشاشة الاجتماعية وبالتفكك العائلي وبالمعاناة النفسية. وليد زياش مثال لكل هذا وكذلك أشرف حكيمي وغيرهم من اللاعبين. هؤلاء لعبوا أمام أمهاتهم وبين أعينهم كل المعاناة التي عاشوها أطفالا ومراهقين إلى أن أنقذتهم كرة القدم. في مسارات الهجرة إلى أوروبا تكون الأمّ هي الضامن الأكبر لتوازن العائلة، الأم هي التي تحافظ على الهوية اللغوية والدينية والاجتماعية لأبنائها. تحاول مرافقتهم بما لديبها من عاطفة ومن حرص لا ينتهي.
كان الناخب الوطني المغربي يعلم جيدا وهو يقدم الاقتراح لجامعة كرة القدم في بلده أن اللعبة يمكن أن تنقذ مسارا هجرويا فاشلا وكان يعلم أيضا أن هؤلاء اللاعبين الذين لا يحملون ذكريات كبيرة عن وطنهم هم في حاجة إلى وطن آخر. هذا الوطن البديل هو العائلة، هي الأمّ والإثبات يجب أن يكون أمام الأمّ والاعتراف لا يكون إلاّ للأمّ، الأب يأتي في درجة أقل عاطفيا. كانت أمهات اللاعبين حافزا غير معهود في كرة القدم وفي المسابقات العالمية للعبة. لقد وضع الناخب الوطني المغربي لاعبيه ضمن «فضاء أوديبي» ربما اكتشفتاه واللاعبون بين أحضان أمهاتهم عقب كل مباراة يكسبها المنتخب.
تضعنا كرة القدم أمام علامات تؤكد لنا في كل مرّة أنها ظاهرة اجتماعية كلية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا