خفايا ومرايا: لاعب الوقت المستحيل

في أخر لحظة عدلت نشر المقال لهذا الأسبوع، الذي أخوض فيه مع الخائضين في ذلك الجدل حول قطر وما ترمز إليه إمارة قطر والذي صار جزءا من «خبزنا اليومي»

منذ بداية العشرية الفائتة، عدلت عن ذلك ربّما لأنّي وقعت في سحر الصورة القادمة من «الدّوحة» وما تحمله من مشاهد رائعة وأهازيج جميلة ولوحة فسيفسائية من اللباس والوجوه لجمهور جاء من كلّ أصقاع العالم، تلك هي قوّة كرة القدم ...قوّة لا تعترف بالاختلافات الثقافية والدينية والقومية والعرقية واللغوية وتضع الجميع جنبا إلي جنب يشتركون في نفس السلوك ويتقاسمون نفس الهيام للجلد المدوّر، ودورة كأس العالم كالحجّ الذي يأتي إليه النّاس بحثا عن لحظة صفاء والابتعاد عن أجواء التنافر والأحقاد والتمييز والعنصرية...حج يجعل كلّ مدن العالم شبه بعضها لا فرق بينها إن كانت في أروبا أو آسيا وإفريقيا أو في قلب صحراء العرب يمكن أن تحتضن الجميع على اختلافاتهم ليتعايشو فيها مع بعض في كنف السلم والاحترام.

والسبب الأكبر الذي دفعني إلى ذلك هي صورة أولئك العشرين ألف تونسي الذين نراهم على الشاشات بالشاشية التونسية على رؤوسهم وبأقمصتهم الحمراء والبيضاء وبأعلامهم التي ترفرف بين أيديهم وبهتافاتهم وأغانيهم وهم يحوّلون المدارج والشوارع إلى ساحات احتفالات ومهرجانات تونس ومدنها... إنّه فعلا «شعب طريف كالساعة» كما قال عنه الشاعر الفقيد الصغير أولاد أحمد، أسبوع إلى الوراء كان الحديث عن التونسيين بفواجع قوارب الموت لشباب يلقي بنفسه في البحر هربا من حالة اليأس والإحباط التي يعيشها في بلاده وعن الشقاء اليومي الذي يحياه المواطن التونسي بحثا عن الحليب وعن السكر وعن الزيت وعن غير ذلك من المواد الغذائية الذي أصبح غيابها من السوق أمرا معتادا....أسبوع إلى الوراء كانت صفاقس ثاني كبريات مدن الجمهورية التونسية تعيش حالة اختناق جراء احتراق أكداس القمامة ، تلك الأكداس التي ظلّت جاثمة على صدر المدينة وأهلها لأكثر من سنة....أسبوع إلى الوراء كانت حالة التجاذب والتساب بين جماعات الكرة وتشكيك في لاعبي الفريق الوطني وممرّنه واتهامات إشاعات لمسيريه....أسبوع إلى الوراء كان الإحساس بأنّ البلاد تسير دون بوصلة ولا ربّان واليأس من السياسة يعمّ أغلب التونسيين .

وفجأة كلّ ذلك ينقشع وتظهر صورة أخرى لتونس والتونسيين من وراء ذلك الضباب الكثيف، صورة تؤكّد أنّ الرّوح التونسية التي نحتها التاريخ والأحداث لن تموت مهما بلغت المحن من شدّة وأنّ الكرة بقدر ما كانت عنصر تفرقة وإثارة للنعرات والأحقاد في كثير من الأوقات فإنّها في المناسبات القارية والعالمية عنصر وحدة وشحذ للروح الوطنية، فالكثير منّا مازال يتذكّر ذلك اليوم من شهر نوفمبر 1965 كيف كانت آذان التونسيين ملتصقة بأجهزة الرّاديو وهي تتابع أطوار نهائي كأس إفريقيا بين تونس وغانا سنة 65 بصوت المرحوم» الطاهر مبارك» وكيف خرج الآلاف من ملعب الشاذلي زويتن يتباكون بعد أن أدار الحظ ظهره لزملاء «الشتالي» و»عتوقة»، ومازال صدى صرخة المرحوم « نجيب الخطّاب» يتردّد في ذهن كلّ من عاش تلك الّلحظة عندما سجّل على الكعبي هدف تونس في مرمى المكسيك بملعب روزاريو» في كأس العالم سنة 78 وقد شاركت تونس في تلك الكأس العالمية بالملحمة، وبالفعل كان لها مفعول الملحمة على نفسية الشعب وواقع البلاد، لقد أسهمت بشكل كبير في رتق الشرخ الذي خلّفته تلك الأحداث المأساوية في 26 جانفي 78 قبل ستة أشهر فقط من تلك التظاهرة، لقد أحيا الفريق الوطني آنذاك وهو ينازل الألمان وعتاة الكرة في العالم النّد للنّد الشعور بالفخر والاعتزاز الوطني ...شعورا لم يعش مثله الشعب التونسي بعد الاستقلال، وحصول تونس على أوّل كأس إفريقية لها في تاريخها سنة 2004 أعاد اللحمة الوطنية بين مختلف الفئات بعد أن بدأت تضعف وتتلاشي بفعل انفصال نظام الحكم شيئا فشيئا والاتجاه نحو إحكام قبضته الحديدية على المجتمع.

وانتصار الشعب اليوم ووقوفه بكلّ افراده شيبا وشبابا نساء ورجالا كبارا وأطفالا إلى جانب الفريق الوطني بذلك الشكل الحماسي الذي يلامس العشق الجنوني في عمقه ليس مجرّد ولع باللعبة فحسب بل آملا في أن تعيد أقدام لاعبي ذلك الفريق صورة تونس المتألّقة والمتحدّية لضعفها ولقلّة إمكانيتها أمام أنظار العالم وأن يحقّق ذلك الجمهور الذي كابد التضحيات ليكون إلى جانب أبنائه ما عجزت عنه السلطة والأحزاب في إعادة لذة الانتماء ووهج الروح التونسية التي أكّدت الصور القادمة من الدوحة أنّها لن تموت وأنّ تونس مهما مرّت عليها من محن NO DALENDA لن تسقط أبدا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا