خفايا ومرايا ألغاز الرئيس ووهن الأحزاب

تعلن «المغرب» لقراءها ومتابعيها أنه ستكون لهم مصافحة أسبوعية كل يوم خميس، انطلاقا من اليوم، مع مصطفى بن أحمد في ركن «خفايا ومرايا».

كلّما تظهر على السّاحة علامات الانسداد في مسار 25 جويلية إلاّ ويفاجئ الرئيس خصومه وأنصاره على حدّ السّواء بأوراق أخرى... أوراق تفتح على مواجهات جديدة في حربه المفتوحة ضدّ شخصيات وأحزاب المنظومة الحاكمة والتي لم يفوّت مناسبة إلا واتهمها بالفساد والتّآمر.
ومازال الأستاذ في القانون الدّستوري يحيّر كلّ الملاحظين والمتابعين للشأن التّونسي بعد مرور عامين من تولّيه رئاسة البلاد فالرّجل لم يكن يُعرف له ماض سياسي أو نقابي قبل أن يطفو فجأة على سطح السّاحة السّياسية من خلال تدخّلاته التلفزيّة كخبير في القانون الدّستوري حول كتابة الدّستور، من هناك شقّ طريقه إلى الرّئاسة متجاوزا «أباطرة» الزعامات التقليديّة والصّاعدة بعد أن كسب في ظرف وجيز شعبيّة واسعة وصار رمزا لنظافة اليد وللصّدق في ساحة تغرق أكثر فأكثر في الإشاعات وفضائح الفساد، عندما بدأ يتصدّر استطلاعات الرّأي لم تعره لا الأحزاب ولا «اللوبيات» أهمّية كبرى معتبرة إياه مجرّد ظاهرة إعلاميّة ستزول مع الوقت، لكنّه فاجأهم بانتصار ساحق في الانتخابات بنسبة أصوات فاقت 70 ٪ حاول بعضهم تدارك ما ضاع منهم بلعب ورقة احتواءه والاصطفاف وراءه ظنّا منهم بأنّ ذلك كاف لحماية نفوذهم من أيّ تهديد محتمل قد يأتي منه، لكنّ الرّجل لم يضع وقتا طويلا للكشف عن نواياه بأنّه لن يكتفي بالصّلاحيّات التي خصّه بها الدّستور ودخل السّاحة من بوّابة الأخلاق العامّة التي كانت تشكو تدهورا فظيعا وراح يكيل لكلّ من تحوم حوله شبهة فساد أو تآمر ضدّه، كان يطلق «صواريخه» دون تحفّظ فلم يتردّد في استعمال أبشع النّعوت وتوجيه أخطر الاتهامات.
لم يكن في البداية موفّقا في اختيار أسلحته وبدا يلوح للرّأي العام أنّه لا يملك الوسائل لتنفيذ تهديداته إلى أن فاجأ الجميع يوم 25 جويلية بإعلانه عن حل الحكومة وتجميد البرلمان ثمّ وضع كلّ السّلطات بين يديه. الثابت أنّ شعبيّته الواسعة وغليان الشارع ضد البرلمان والحكومة، لكن الذي ساعده أكثر حالة الوهن التي صارت عليها الأحزاب والتي أجبرتها على الصّمت أو الاصطفاف إزاء الخطوة الخطيرة التي أقدم عليها الرّئيس، فبعد عشر سنوات من خروجها إلى الضوء ودخولها غمار العمل السّياسي دون قيود، وجدت تلك الأحزاب نفسها بعضها منهك من تجربتها في الحكم والبعض الأخر غارق في تناقضاته وعوائقه الدّاخليّة ، وقد تلوّثت صورتها وفقدت جزء كبيرا من مصداقيّتها.

لكن لماذا انهارت تلك المنظومة الحزبيّة بما فيها الأحزاب التي تورّطت في وضع سياسات المرحلة السّابقة وليست لها أيّ مسؤوليّة في الفشل الذي رافقها وخلّف حالة من السخط والإحباط لدى عامّة الشعب؟
العديد من العوامل ساهمت

في تعثّر تجربة الأحزاب بتونس، فمنذ الوهلة الأولى واجهت تلك الأحزاب ضغط الوقت وتسارع الأحداث ممّا منعها من وضع الأساس القانوني السّليم لوجودها ونشاطها، ويعتبر المرسوم 87 من أبرز نقاط ضعف المنظومة الحزبية، لكن السّبب الأكثر عمقا هو تخلّي تلك الأحزاب عن دورها في إنتاج التّصوّرات والحلول وتأطير القواعد والتفاعل مع مشاغل النّاس وسقوطها بسرعة في غواية السلطة والدّخول في سباق محموم من أجل الوصول إليها بكلّ الوسائل، لذلك ظلت مكبّلة بعوائقها الإيديولوجيّة والتّنظيميّة والماليّة وطغت عليها صبغة المقاولات السّياسيّة التي لا تظهر إلاّ في المناسبات الانتخابية والنّتيجة أنّها أصبحت عنوانا للانتهازية والجري وراء المناصب والمنافع لقياداتها، والأخطر أنّ أغلب الأحزاب فقدت روح المبادرة والمراجعة وبات وجودها شكليا ، لقد حدث ما حدث على السّاحة لم نسمع عن حركة أو حزب تقديم النقد الذاتي أو اعتراف بمسؤولية ما عن الفشل الذي حصل في الفترة المنصرمة.

لكن هل أنّ حالة الأحزاب تلك هي المبرّر الحقيقي لكي يعلن الرّئيس صراحة عن نيّته القفز من فوقها وتركها جانبا والبحث في بناء جديد مباشرة مع الشعب؟ أم أنّ الرّئيس استغلّ حالة الوهن للبدء في وضع القواعد والآليات لتطبيق مشروعه؟ وهل هو مدرك لحجم المخاطر التي تحفّ بمشروعه خاصّة وأنّ التّفويض الشعبي مرتبط بمدى قدرته على معالجة الأسباب التي أدّت إلى تعثّر الأحزاب وانفضاض النّاس من حولها. قد تشجّعه الطّريق السّالكة التي وجدها أمامه على التّصميم للذهاب إلى الاخر في مشروعه وعدم تقديم أي تنازل لصديق أو لعدو، لكن هنالك مقولة عسكريّة بأنّ أخطر الكمائن توضع على الطرق السّهلة.

يبدو أنّ الأحداث لم تفصح عن كلّ أسرارها ومازالت السّاحة حبلى بالمفاجآت ومن الصّعب التّكهن بنهايتها، لأنّ مكر التّاريخ خط نهايات الكثير من «الملاحم» على عكس بداياتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا