برج بابل: قمر تشرين

قمرُ تشرين، شامةُ تشرين، وابتسامتها الأولى في تشرين، نهاياتُ عنبٍ وبداياتُ بلح. يحتضن الزيتون رذاذ تشرين ويغتسلُ به، ورائحة التراب تُرشدنا إلى أيامنا الأولى.

تشرينُ هذا لا يُقاوم، شمسٌ بين سحاب وسحاب، مطرٌ بمذاقِ الدهشة، ظهيرة تحملنا إلى مساءات الياسمين، ليلٌ بطول حكايات العابرين وشواطئ لأجساد العاشقين، تشرين للثورات، تشرين للانتصارات وغيفارا المغدور بالخيانات، تشرين الجلاء وتشرين اعتراف للمدرّسين، تشرين القهوة وقطاف المحاصيل، تشرين ابتسامة في الدموع..
ولأنه يحبّ تشرين يمنحُها كأس البداية، يمنحُها النبيذ الأول والسيجارة الأولى وينطلقان في الثرثرة، إنها نُسخة رائعة من نفسها. يرافقها القمر، طعمُ القمر مذهل بين شفتيها وكانت تلك أولى حالات العشق لديها. تنهمر دموعها من أطراف جدائلها، ويشتاق الله إلى ضحكتها. راسخة في التفاصيل، تعيدها دون ملل وهو يسمعها للمرة الأولى. لم يكن لديه من يحكي له الحكايات، كانت هي من تحمله إلى الكلام، إلى كيد الكلام، سرق منها المتعة والقبلات ومنحها رائحة الشوق من غمازتيه الثائرة. كم يُشبهك تشرين، يا مُهرة جامحة.

يُعيد لها الترانيم والأغنيات، يُراودها بالاحتمالات، تُراودُه بالذكريات، وتمسح على خدّيه المبللتين بأناملها رعشة البدايات. تُرجعه إلى طفولته الأولى، هناك حين تذكرها يوم الميلاد، غصنُ الزيتون والأُحجيات، مديح النخل العالي والأمنيات. تثيرها طائرات الورق وحبّات الأرق، ولكنها تعرف دوما طريقها إلى المعنى. حزنها يليق بفرحها، وفرحها يحضُن حزنها، وضحكتها أجمل حين تُغمض عينيها. لقد وصلت إلى العمر المناسب الذي يمنحها القدرة على ارتداء ذاكرتها. كم يُشبهك قمرُ تشرين يا قُبلة خاطفة.

خجولة في البدايات، جريئة في المتاهات ويمنحها كبريت ذاكرتها شُعلة للأُمنيات، لا تماس للحكايا لديها، تأتي نشوتها من حبكة كمائن الماضي العنيد ومن خرائط المعنى بغير دليل. تتورّدُ وجنتاها حين يكتمل قمرُ تشرين، ويكتملُ جسدها حُباّ في ليالي تشرين الحالمة، لا وقت للارتخاء، تُمطرُ السماءُ حين تنفتحُ أزرارُ سُترتها فنرى شمس تشرين الدافئة. تِبغها في تشرين بمذاق عينيها الشهيتين، تلمعان كظلِ قمرٍ في بُحيرة، ويرتجف الجفنان ارتجاف قارب من خيزران، لا جُهد لديها لبهجة مُستعارة، لا وقت لديها للأحمر على الشفاه وشارة.

فارسُها في الغرام، حُلمها في المنام وثغرها أجنحة لسرب الحمام. مثل جمرة في مواقد النار، عذبة المشاكسة على تخوم الأسئلة واختبارات الأفئدة. قمر تشرين يضيء لها الفراشات، ينيرُ لها العلامات ويُرجعها إلى صغرٍ يحفلُ بالرايات. في كفّها حبات قمح لطيور المدينة، وفي عينيها والمدى رقصةُ خيلٍ وبيان حبّ لحروب طويلة. في الحيّز بين ضفيرتها والسنابل مجازٌ واستعارة، وبين عطرها ورائحة العطر خُطى القادم دون إشارة.

هي دوما قيدَ الكتابة، قيدَ صهيلٍ وكناية، وتشرينُ يمنحُ حرف البداية، فيتسلّلُ المعنى بين سطرٍ وغواية. إنها كالعائد إلى موطنه من بعيد، لا مراثي، لا ذاكرة للنسيان ولا طوافا للحنين. ذهبت لترى ما وراء الذاكرة، ما وراء السحاب والندى، قالت سأجرّبُ الغياب، سأجرّب الحضور في الغياب، سأنتقل بين المتاهات، ولكن تشرين وغصن الزيتون أرجعاها إلى حيث كانت، هناك إلى قرية فوق تلّةٍ، أرجعاها إلى بُدء المسافات. لم يكن لديها ما تُعطيه، لم يكن لديها ما تُبديه، ولم يكن لديها أيضا ما تُخفيه، كان لها شغفُ اللُّقيا.. «والدنيا تستقبلُ أوّل تشرين».
تشرين هذا لا يُقاوم، وتشارين أخرى لا تُغادر، ودروب اللهفة يا وطني لا تأبى الرحيل.. هذا هو قمرُ تشرين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا