برج بابل: مجتمع الصيف، التونسيون في حالة اختبار

صيف التونسيين هذه السنة مختلف. كانت البداية مع الموجة الرابعة لجائحة كورونا بكل ّ المعاناة التي عشناها وكانت نهاية صيفهم انتظار خارطة الطريق

السياسية وأمل في غد أفضل. وبين الزمنين هناك طقوس الصيف المعتادة، نجاحات وأعراس وقصص حبّ وشواطئ وحديث عن الحرارة المرتفعة، وهناك تحوّل عميق في المشهد السياسي انطلق مع إجراءات 25 جويلية الرئاسية وتداعياتها العميقة، سقوط حكومة وتجميد برلمان وإقامات جبرية وملفات فساد وآحاد تلقيح لعموم المواطنين والكثير من الأخبار الزائفة ووفود أجنبية تسأل عن الذي حصل. وقد أدرك التونسيون هذه الصائفة أن ديموقراطيتهم تسير في الاتجاه الخطإ وأن إنهاء حالة العبث كانت القرار الأكثر تأثيرا في اهتماماتهم. هو إذن صيف للديموقراطية الناشئة، هناك من اعتبره انتكاسة وهناك من اعتبره تصحيحا لمسار. 

الصيف ليس فصلا من فصول السنة فقط، هو زمن اجتماعي يدير فيه الناس شؤونهم المختلفة غير مبالين عموما بما قالت لهم الدولة من حسن إدارة يوميات الجائحة لديهم. لقد واصلوا احتفالاتهم بالنجاحات والأعراس وشتى المناسبات، ومنهم من ارتاد النزل والشواطئ. ولكن العديد منهم ذهبوا إلى الشأن العام باحثين عن إجابات سياسية للمرحلة في حالة انتظار متواصل لما ستؤول إليه الأوضاع.

مجتمع الصيف هو مجتمع الأفراد وهو مجتمع نرجسيات الفوارق الصغرى. الصيف مليء بالحركة، هناك اهتمام إضافي بتوزيع الوقت وتنويع الأنشطة وهناك إمكانيات أكبر للتفاعلات بين الأفراد في الشوارع والمساحات العامّة والمقاهي وقاعات الأفراح وغيرها. وتمتلىء فضاءات التواصل الاجتماعي بسير الأفراد وإنجازاتهم الصيفية، إنجازات الأفراد وهم يرتادون الشواطئ وهم يحتفلون في مناسباتهم وهم يعلنون عن ذهابهم إلى وجهة ما في سفر ممتع وهم يُظهرون ما منّت عليهم به سنوات الهجرة القاسية.

مجتمع الصيف هو مجتمع التجلّي، يمارس فيه الأفراد فرديتهم ويقيسونها تفاعلا مع فردانيات الآخرين. وهنا يحصل الإرهاق النفسي والمجتمعي عندما لا يجد بعض الأفراد حساباتهم في سوق التجلّي وهو السوق الأصعب الآن. وتنتج عن هذا الخلل الذي يحدث في هذه السوق بين العرض والطلب الكثير من المشكلات الاجتماعية، جريمة وطلاق وسوء معاملات مالية وخلافات بين الأفراد متعددة الأبعاد ومحاولات مختلفة لإعادة التموقع داخل شبكة علاقات المعنى وعلاقات القوّة. هذه المسألة أيضا مضنية للأفراد لأنها تضعهم في سباق محموم من التحديات التي من المرجح أنها صعبة المنال.
في آخر مجتمع الصيف هناك عملية جرد حساب فردية وجماعية. ماهي حدود الربح وماهي حدود الخسارة؟ ماهي المكتسبات المادية والرمزية؟ ما الذي عطّل المشاريع الفردية والجماعية؟ هناك إذن جرد حساب يقوم به الفرد على جميع المستويات، هناك من يواصل وكأن شيئا لم يكن وهناك من يراجع نظرته إلى الحياة وإلى نفسه وإلى المحيطين به ويختار مراحل

مشاريعه القادمة.

يسمح مجتمع الصيف للأفراد بأن يختبروا قدراتهم لأن الحراك الذي يوفّره مليء بالأحداث والمعاني. ولكن ما يحصل أن الأفراد يعيشون خيباتهم المختلفة على أنها إخفاق شخصي ويتصورونها خللا في قدراتهم على السيطرة على الأمور. وعليهم في هذه الحالة أن يعودوا إلى أنفسهم يراجعون ما بها من هنّات. وفي ظلّ غياب مؤسسات المرافقة الاجتماعية ينظر الفرد إلى كلّ هذه الأشياء على أنها حمل ثقيل عليه أن يتحمله وعليه ان يجد له كل متطلبات النجاح. هنا وفي هذه الحالة لا يُحاسب الفرد نفسه إلاّ على قدرته على الوصول إلى الهدف، لا تهمّ هنا التجاوزات القانونية والأخلاقية، إذ لا يحاسب الفرد نفسه بالرجوع إلى علاقته بالتجاوزات مهما كان نوعها، بل يُحاسب نفسه بالقدرة الكامنة فيه على إيجاد الحلول لمشكلات أرهقته.
مجتمع الصيف هو مجتمع للاختبار الفردي بلا منازع. والأهم من كل هذا قدرتنا على فهم مضامين هذه الاختبارات وتحولاتها العميقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا