كتاب «ما هكذا كنت تفتينا !!» للشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي. رؤية استباقيّة وتجديدية للذهنيّة الإفتائيّة

نحن اليوم نعيش بين فتاوى الأزمة وأزمة الفتاوى. لذا وجب علينا استشراف عالم جديد في دنيا الفتوى يتناغم ومتغيّرات الدنيا.

هذا الفهم وهذا الاستباق تفطّن إليه الشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي فجاء هذا الكتاب يحمل عنوان” ما هكذا كنتَ تُفتينا !!” ليكون مشبعا برؤية استباقيّة وتجديدية للذهنيّة الإفتائيّة.
وقبل الغوص في ثنايا هذا الإصدار الجديد. نتصفّح وجه المؤلّف وسجلّه العلمي.

• قامة تسمق بالحلم والحلم:
فتجدنا ننظر إلى هذه القسمات وهذا الطود الثابت ..صبوح الوجه ..مشرق المحيّا ..صبور . نجم يصعد بتواضعه ..وشهاب يتألّق بمعارفه ..سليل الشرف والمجد التليد جذوره من بني شيبة أهل السدانة و الحجابة وحفظة مفتاح الكعبة ...سليل بيت العلم الأصيل من جدوده هاشم بن إبراهيم الشيبي من مدينة مكة المكرمة وهو من الفرع الشيبي بتونس ويسكنون الحامة جدّهم سيدي نصر بن علي الشيبي وهو من قبيلة الشياب الليبية الأصل ينسبون إلى سالم الشيبي أحد الأولياء المهاجرين من الساقية الحمراء في الصحراء المغربية..يتهادى قادما من الحامة الفوّارة بالينابيع والنخيل والخضرة.
ارتقى في سلّم عسيرة درجاته التكوينية تخللها التوفيق من الباكالوريا إلى الأستاذية ثمّ الماجستير والدكتوراه في العلوم الإسلامية بجامعة الزيتونة التونسيّة.

عسيرة خطواته المهنيّة شملها التميّز من ملحق ثقافي وإمام خطيب وواعظ ومتفقّد ثمّ رئيس مصلحة تابع لوزارة الشؤون الدينية واليوم أستاذ مساعد في مادة الفقه بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية.
الشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي. رجلٌ يفيضُ بالعاطفة الجيّاشة، والحسّ المرهف، غزير الدّمعة من غير تكلّفِ البكاء ولا اعتصار المآقي كعادة كثيرٍ من المتحدّثين في حقل الدّعوة من المشايخ...

وهو شيخ يملك عقل الأصوليّ المحقّق المدقّق وقلبَ الصّوفيّ الذائق وذهن المحدّث الراوي وفطنة الفقيه المتبحّر وحدس الداعيّة المتنوّر. وإنّك لتلمس حرارة كلماتِه في عموم ما حبّره في خطبه ومحاضراته ومؤلفاته وكتبه – التبرّع بالأعضاء بين السائل والفقيه / الاختلاف العقيم بين المسلمين / الطقوس الجنائزيّة بين العادات الشعبيّة والاحكام الشرعية/ مناسباتنا بين الشرع والمجتمع / موسم الحجّ بين الموجود والمنشود/ دعاة لا عتاة/ ما هكذا كنت تفتينا -.

كما تشتمّ رائحة الصدق والغيرة الوطنيّة فيما يقوله وهو في منابر الاعلام الديني منذ سنوات إذاعات وتلفزات يزرع سنابل الوعي ويشهر دروع الردّ والذود عن أشعريّة جامعة المنقول والمعقول ومالكيّة صافيّة المصدر قريبة العهد من الوحيين وصوفيّة سنيّة زهدها في تزويد الحياة بالعطاء والصفاء.
ولكم يستبشر الناظر ويهزهزه السرور وهو يرى في هيئته ملمح التمسّك بالهويّة ملبسا –تجبّبا وتعمّما – وتفتّحا هنداما ومسايرة التحديث في أصالة النبيه.

الشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي النجم الصاعد. والداعيّة الذي يمتلك عقلا أحسن تدريبه، ومنطقا آسرا مقنعا، ينساب في هدوء وإحاطة واسط العقد إذا جلس فهو صموت والناس حوله في الجلسات والحوارات والندوات وإذا تكلّم لا يتحدّث إلاّ على شوق الجالسين إلى حديثه!!
جمعت فيه سماحة اليد، والنفس، والخلق. تتسابق فيه أخلاق ترفعه إلى ذرى الكمال الميسور، كالطائر المحّلق، وكالحادي السائر في قافلة الخير.

دائب الدعوة إلى العلم، وإلى ذكر الله. و إلى التماس العلم الصحيح النافع الجامع بين المعرفة، والعمل السلوكي ..وقد بسط يديه يصافح مستعينا ومعينا مستشيرا ومستشارا ..يقول الحقّ وهو عالي الهامة ويعمل دائبا في سبيل الحقّ، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح .. ورغم ما نزل به من الأذى والضرّ فيظل من ضحكته وصبره وعزمه يسرّب في الناظرين إليه ضوؤه الباكر النديّ من قلب كلّه أمل.

وإذا هو الراهب الجليل وإن توالت عليه سهام الإذاية فلن تثنيه ولن تؤذيه، فهو الذكي الذي لا يأوي إلى صومعة يعتزل فيها الحياة. بل يملأ الحياة بعمله، وبجهاده في سبيل نصرة المواقف الصادقة.
وإذا هو المتحفّز لتتواصل مسيرة العطاء لا مبدّلا ولا مغيّرا. راكبا راحلة البناء. ينظر إلى شمس التأييد تشرق ومياه نهر المزيد تجري هطّالة ..

• «ما هكذا كنت تُفتينا !!» خريطة طريق لمنظومة الفتوى المستقبليّة.
حين نتصفّح كتبه تشتمّ منها رائحة وحيدة أنّ صاحبها سابق عصره برؤيته واجتهاده وعقله وفكره وبصيرته وإدراكه للواقع ..ويكفيه تركيزه في هذا الكتاب -الذي أتمّه في 20 أوت 2020 وطبعه في حلّة بهيّة ذات 330 صفحة في الشركة التونسيّة للنشر وتنميّة فنون الرسم – على قضايا الفتوى وما ينسلّ منها من استتباعات وما يطرأ عليها من متغيّرات أضحت مجالا خصبا للبحوث الشرعية لذلك تناول الدكتور الشايبي موضوع الإفتاء بعيّنات وقضايا ملموسة وما يحيط به من متغيّرات جغرافية وثقافية وشخصية وفي علاقة بمواضيع ومسائل من الحياة اليومية دون أن يفوته التعريج على الفتاوى في زمن الأزمات أو الأوبئة من خلال تحليله لفتاوى رسمية وغير رسمية من خلال نماذج وتطبيقات منها ما هو في علاقة بفيروس كورونا وغيرها من القضايا كالتبرّع بالأعضاء ... هذا الكتاب فريد في تصدّيه لكلّ فتوى متصلّبة ضيّقة الأفق بعيدة عن واقع النّاس ومتناقضة مع العصر. وفريد في دعواته للفتوى الوليدة من رحم المقاصد والنقد والتحليل ومواكبة التغيّر.

وتمّ تقسيمه إلى سبعة فصول واعتماد رقم السبعة للدلالة على ما يحمله هذا الرقم من دلالات في القرآن والكون والسنّة النبويّة فالفصل الأوّل تضمّن النظر العام في مصطلح الفتوى وأهميته والاهتمام به تصنيفا وتطوّرا. والفصل الثاني حول المتغيّر العرضي ثمّ كانت الفصول تتابعا في المتغيّر الجغرافي والثقافي والشخصي والأمني ليكون الاختتام في سابع الفصول حول الحاجة إلى التغيير.

فقد جاء هذا الكتاب حاملا لملامح التميز والتجديد الشمولي الذي يشمل الدين فهمًا وتنزيلاً، وداعيا إلى الانتقال من المجدّد الفرد إلى المجدّد المؤسسة بالتخلّص النهائي من الفتوى الفرديّة إلى الفتوى الجماعيّة من أجل إنشاء المستقبل عبر التخطيط لها بناءً على مقوماتنا التاريخية والمعرفيّة وجذورنا الروحية.وعلى التزوّد بالعلم والخبرة والمعرفة والدراسات العميقة والبحوث الدقيقة والاستيعاب الشامل حتى لا نقع في دائرة مفرغة من الهدم والبناء وعلى الاستثمار الكامل للمعارف المتراكمة عبر الماضي دون هدر لأصغر جزئية منها، والانفتاح الدائم على نسمات الإلهام ونفحات المعنى والوجدان، وعدم الانحباس في ممارسات التقليد الأعمى. وعلى التمسّك بالرؤية التجديدية ذات الأفق الواسع الذي يمكّن من فقه النص وفقه الواقع في توليفة بيداغوجية تنزل أحكام النص على الواقع تغييرا وإصلاحا.

ويمكن اعتماد هذا الكتاب كخريطة طريق لتطوير المجال الإفتائى عبر الإعلان عن تكوين وإنشاء «المؤتمر العالمي للفتوى» و «منظّمة عالمية للفتوى» وعبر تكوين تصوّر علمي وعملي صحيح للمشهد الإفتائى في بلادنا وفي العالم كلّه وعبر إنجاز مدوّنة متكاملة جامعة للمعايير العلمية والأخلاقية للمجال الإفتائى، وآليات إصدار الفتاوى، وآداب المفتي ومكوّنات شخصيته العلمية، بما يحقق تفعيل دور الفتوى في البناء الحضاري. بما أنّ الفتوى السليمة هي اللبنة الرئيسة لبناء وتشكيل وعي الفرد السوي، والمجتمع المتكاتف، والدولة الرائدة، والأمة الحضارية المتفاعلة والمتعايشة مع غيرها من الأمم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا