برج بابل: الاحتكام إلى الشارع أو الاحتكام إلى المناصرين ؟

يحتاج الناس إلى تعريف ما يحدث لهم، ولكنهم يساهمون أيضا في تقديم التعريفات التي يرونها مناسبة لأي شيء يحدث لهم في حياتهم. ومن هنا تنشأ حرب التأويلات

والتعريفات وتنشأ مع ذلك سلطة خفية هي سلطة من يملك حق تعريف الشيء وتنصيبه على الجميع.

يتحدث الجميع على أن ما وقع يوم السبت والأمر يتعلق بمسيرة حركة النهضة في هذه الحالة أن الأمر مرتبط بمقولة سياسية هي مقولة الاحتكام إلى الشارع. والمقصود بذلك هو وضع الشارع في وضع الحكم الذي سيفصل في شيئ ما. أي أن الشارع سيعطي في نهاية اليوم نتيجة يبحث عنها من وضع نفسه في اختبار ويبحث عنها أيضا من يرى نفسه ذو علاقة بالحدث.

لا أعتقد أن الأمر مرتبط بحاكمية الشارع بل بحاكمية الأنصار. ما وقع هو طقس سياسي كلاسيكي، حركة أو حزب سياسي يدعو مناصريه من كل حدب وصوب إلى الحضور في الشارع الذي يقع الاختيار عليه في المدينة التي يقع الاختيار عليها من أجل قول شيء ما يقع تحديده مسبقا. وهذا متاح بشكل فعلي في ديموقراطية ناشئة. والعنوان الذي اختارته حركة النهضة لهذا الحدث هو دعم الشرعية. الاحتكام إلى الشارع كما اصطلح على ذلك مسألة مغايرة تماما لما حدث، إذ يتطلب هذا الاحتكام وجود أطراف عديدة في نفس المكان ويتطلب أيضا أن تكون في حالة منافسة شديدة على نفس الموضوع قد تصل إلى العنف. فالحشد الكبير الذي حضر بدعوة حزبية إلى شارع محمد الخامس ما هو إلا عينة لناخبيه في حالة تنشيط انتخابي.

الأمر يتعلق إذا بالاحتكام إلى المناصرين الذين لبوا النداء من أجل رسائل عديدة منها دعم الشرعية وهي الرسالة الظاهرة. المخفي في المسألة أن الرسائل في أغلبها تحوم حول فكرة ترميم شيء ما في حالة وهن. ترميم الصور المختلفة ومنها صورة الزعيم الذي طالته الانتقادات من كل الجوانب، من داخل الحركة ومن خارجها، الانتقادات من داخل البرلمان ولوائح سحب الثقة تمسّ من رمزيته كقائد سياسي محتاج إلى مسرحة زعامته بين مناصريه كي يتأكد أكثر أنه لا يزال على قيد الزعامة.

رسالة أخرى هدفها ترميم العلاقة التي اهتزت بين ما أعطاه صندوق الانتخاب من نتائج وما آلت إليه الأمور من ضعف في الآداء ومن عدم القدرة على فك الأزمات وهذه مسألة موجهة إلى تجسير الفجوة بين الناتج الانتخابي وبين الآداء السياسي داخل المؤسسات المنتخبة. وفي هذا إشارة إلى أن أي انتخابات قادمة ستكون نتيجتها كما هي نتيجة حضور المناصرين في الشارع. وهي رسائل إلى كل الخصوم السياسيين وخصوصا أولئك الذين يحتكمون أيضا إلى مناصريهم في الشارع.

وقد يكون ما حدث بدعوة المناصرين إلى التظاهر شكلا آخر من أشكال سبر الآراء. هو رغبة في القول إن ما تقدمه مؤسسات سبر الآراء لا معنى له أمام ما يُشاهد في الشارع وتتناقله وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وهنا تصبح الانتخابات القادمة بما في ذلك الانتخابات التي في غير موعدها رهان المسيرة ورهان الاحتكام للمناصرين والأتباع مثلما هي رسالة للمنافسين الذين يعتمدون نفس المقاربة في استعراض القوة. وقد نشهد تغيرا في نتائج سبر الآراء القادمة والتي يمكن أن يدخلها المترددون الذين لم يقدموا إجابات في سبر الآراء الفارطة.

الاحتكام إلى الشارع مسألة معقدة جدا ويمكن أن تكون في سياقات معينة بديلا عن مؤسسات الديموقراطية المنتخبة. وهو عملية قد تؤدي إن تكررت إلى انفلاتات كبيرة لا يمكن السيطرة عليها. ولكن الاحتكام إلى المناصرين و الأتباع فهذا إجراء كلاسيكي قامت به كل الأنظمة السياسية بدوافع مختلفة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا