برج بابل: الجيل الخطـأ: أين الخطـأ ؟

هل الجيل الخطأ هو الجيل الممنوع من الحركة؟ هل هو الجيل الذي لم يقدر أن يكون في السياق الذي يريده؟

وهل أن الخطأ هو ألا يكون منسجما مع قواعد المرحلة؟ وهل هو بالفعل جيل خطأ أم جيل للخطإ؟ 

في كل مرحلة هناك جيل خطأ، والخطأ هنا خصلة وليست معرّة. هو خصلة لأنه يثير القلق من حوله، يبحث عن مكامن السوء ويكشفها، يدفع بالسؤال إلى أقصاه، وينبري باحثا عن أجوبة المرحلة في مأزقها. الخطأ في إزعاج السلطة وفي إرباكها وفي إظهار عيوبها، يريد أن يكون الخطأ مدخلا لما هو سليم. إن مقولة الخطإ هذه مثيرة للسؤال فهي مزعجة لمقولة أخرى هي مقولة الحقيقية. الخطأ يواجه الحقيقة بكل معانيها والحقيقة مقولة تسلطية في كل الحقول السياسية والاجتماعية والدينية والعلمية وغيرها. نتعلم من الخطإ أكثر مما نتعلم من الحقيقة والبحث عن الخطإ أفضل بكثير من البحث عن الحقيقة.

وإذ تسمي حركة شبابية نفسها حركة الجيل الخطإ فهذا لوحده مبحث جديد. فحركات شبابية مثل ما نرى تكشف عن تحول كبير في أشكال الاحتجاج وفي مضامينه. قد تدوم هذه الحركة فترة من الزمن ثم تتحول إلى مضمون آخر واستحقاقات أخرى بنفس الأشخاص أو بغيرهم. لا شيء ملزم تقريبا في مثل هذه التصنيفات من الحركات الاحتجاجية الشبابية الجديدة. وهذه من بين نقاط قوته، فهي لا تثقل كاهل من ينتمي إليها ومن يلتزم برهاناتها، ليس على الخطإ حرج. خطابها مزيج بين مقولات جدية بالمعنى الحداثي للكلمة وبين خطاب محلي شبابي يمكن أن يكون شتيمة شارع ذات ألفاظ جنسية. هي مزيج بين كل الخطابات الممكنة الحديدي منها والسائل بحيث يجد الكل نفسه فيها دون عناء فك طلاسمها.

من تحت الأرض يبدأ العرض، هذه إحدى المقولات الاحتجاجية في إشارة إلى الوضع الزراعي في تونس وفي إشارة أيضا إلى وضع المزارعين الذين تتقاذفهم مصالح المجموعات المالية وقرارات الحكومات المتعاقبة. نحن أمام مشهد احتجاجي غير مألوف من حيث المضمون، لقد تعود الحراك أن يكون سياسيا أو اقتصاديا في ارتباطه بقضايا التشغيل والبطالة أو مرتبطا بالفساد. جغرافيته أيضا متحركة، خرج عن المدن الكبرى أو المدن الاحتجاجية التقليدية ليضع قدميه في المحليات الريفية النائية والتي تمتلك خطابا حول أزمتها الخانقة وتعلم جيدا من المتسبب في ذلك.

«التكريز» وهي كلمة تونسية متداولة ذات إيحاء جنسي هي الأخرى تُستعمل في سياق يدلّ على الغضب وعلى عدم الارتياح وعلى النقمة. خاطب القوم بما يفهمون، هي إحدى قنوات التواصل مع جموع المتابعين. وككل الحركات الاحتجاجية الجديدة خرجنا من الفكرة الحديدية إلى الفكرة السائلة وهو ما يتيح سهولة في الحركة وسهولة في الكلمة وفي الانتقال من موضوع إلى آخر دون إكراهات.

نحن في مفترق طرق بين أشكال احتجاجية جديدة تتعايش إلى حدّ ما مع أشكال ومضامين احتجاجية قديمة، ولكن في ما يخصّ بعضها هناك نوع من المعادلة بين مضامين متعودّ عليها متصلة بالعدالة الاجتماعية و بمقاومة التهميش و القضايا الاقتصادية و الاجتماعية الكلاسيكية و لكن بلغة مغايرة و بأسلوب مختاف وبمشهدية تتجه أكثر إلى الإبهار و إلى الصورة و تعطي الكلمة مباشرة إلى المتضررين أكثر من إعطائها الكلمة إلى وسطاء الحركات الاحتجاجية.

عدم فهم التحولات الجديدة في الحركات الاحتجاجية يسهّل على البعض إدانتها أو عدم إعطائها القيمة الاحتجاجية التي تستحقها ويستحيل معها بالتالي الوقوف على مثل هذه التعبيرات، وهذا في ذاته قصور يؤدّي إلى عدم القدرة على التعامل مع فئات شبابية جديدة بحراك جديد و بمضامين و بأشكال غير معهودة.
الخطأ ليس في الجيل الذي يقود هذا الحرام الغاضب، يمكن أن يكون الخطأ في عدم القدرة على فهم أن شيئا بصدد التغيير و بوتيرة متسارعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا