منبــــر: التـاريــــــــــخ لا يعيـد نفسه

بقلم: حسين العباسي
أكتب هذه الكلمات و قد تحررت من كل مسؤولية و إكراهاتها. أكتبها و لا يحرّك قلمي سوى عشقي لهذا الوطن

الذي أدين له بكل نبض جميل في حياتي. أكتبها و ليست لي بوصلة سوى مصلحة التونسيات و التونسيين.
أعتقد أن لا حاجة اليوم لاستشارة الخبراء و أهل الرأي في علوم السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد للوعي بأن الوضع الذي آلت اليه البلاد و العباد قد بات ينذر بشرّ قد اقترب. و لا أعتقد ان هناك اختلافا بين المتابعين للشأن الوطني على أن تونس تعيش أحلك الفترات خلال تاريخها، الحديث منه على الأقل. انسداد للأفق وانهيار للقيم الأخلاقية يتبعه بالضرورة انهيار للمجتمع فالاقتصاد فالدولة، تعطل للمصعد الاجتماعي، تناحر و خصومة قد يليهما اقتتال وتشتت في المشهد السياسي تستحيل معه ممارسة الحكم و بالتالي مساءلة من يمارسونه.

قلت لا حاجة لاستشارة الخبراء لاستشعار دقة الوضع. يكفي أن تصغي لنبض الشارع، أن تلتصق بمشاغل التونسيات و التونسيين، أن تلتقط نظراتهم الهائمة، أن تستشعر إحساس الغربة، داخل الوطن و بين الأهل والذي بات جاثما على صدور شبابنا، لتدرك حجم الفراغ المفزع الذي بات متربّصا بالبلاد.

للأسف، يبدو الجميع مدركين لدقة الوضع ما عدا الطبقة السياسية التي ائتمنها التونسيون على إدارة الشأن العام و التي يبدو أن اغراءات السلطة و لين كراسيها قد أنستهم الأمانة و ثقلها مثلما أنست الذين من قبلهم. ومازاد هذا المشهد العبثي قتامة وبؤسا هو تسونامي المبادرات المنهمر من كل حدب وصوب. مبادرات صارت تنافس المشهد السياسي في تشرذمه و تشتته. و لعلي أجد في ما أعرفه عن بعض من أطلقوا هذه المبادرات من حب للوطن وغيرة عليه، عذرا لهم. غير أنّي آليت على نفسي وأنا أخطّ هذه الأسطر أن يكون ولائي لتونس هو بوصلتي الوحيدة، حتى و إن كلّفني ذلك حنق و غضب البعض من رفاق الدرب. فليعذروني.

و إنّي إذ أتفهّم رغبة البعض في تكرار تجربة 2013 للحوار الوطني للخروج من المأزق الراهن، فإنّ عليهم أن يعوا أن التاريخ لن يعيد نفسه. فلا الظروف هي نفسها و لا الارضية التي كانت مهيأة وقتها لانطلاق تجربة الرباعي متوفرة اليوم. لا رئيس مؤقت اليوم بل رئيس منتخب مباشرة من الشعب بعدد اصوات و نسبة مشاركة في الاقتراع يفوقان كل أحزاب الطيف البرلماني الحالي. لا مجلس تأسيسي اليوم انقضت مدة تفويضه و تآكلت شرعيته بل برلمان يبقى، على كل هناته، منتخبا وما زال في عهدته زهاء الأربع سنوات. لا مسودة دستور اليوم تتصارع حولها الأحزاب، بل دستور قائم، قد نختلف في مدى كفاءته و حاجته للتنقيح، و لكن يبقى العقد الذي تلتجئ إليه كل الأطراف.

أمام هكذا وضع لا أرى جدوى من القيام بمبادرات عديدة و متعددة تطلقها بعض الشخصيات السياسية التي عرضت نفسها على ثقة الناخبين، سواء في انتخابات 2019 للبعض منهم أو انتخابات 2014 و2019 للبعض الآخر، مع النتائج التي تعرفون. قلت لا أرى جدوى في أن تقوم هذه الأطراف السياسية التي كانت تطرح نفسها منذ عهد ليس بالبعيد كبدائل للمشهد الحالي. لا معنى لأن يطرح خصم الأمس القريب و خصم اليوم و على الأرجح خصم الاستحقاقات الانتخابية القادمة، لا معنى أن يطرح نفسه وسيطا و حكما في صراع اليوم.

و لا يناهز عبثية هذه المبادرات «المسيسة» إلا مناداة البعض بإحياء الرباعي الراعي للحوار مرة أخرى، ليصل «خيال» البعض الآخر للمناداة بتحويله إلى خماسي...و لم لا إلى سداسي أو سباعي...متناسين أن الوطن اليوم على شفا الهاوية و أن لا وقت لإعادة صياغة مبادرات جديدة تصوغها أطراف متعددة، مع كل ما يعنيه ذلك من إضاعة للمجهود في «حوار» داخلي بين الاطراف الراعية للحوار لتنسيق المواقف للخروج بمشروع مشترك قبل عرضه على المجموعة الوطنية. فهل نداوي التشتت السياسي الذي أنهك البلاد بتشتت المبادرات؟ مالكم كيف تحكمون؟

الحل الأسرع و الأسلم قد يكون الكف عن إطلاق هكذا مبادرات عبثية و الانكباب على توحيد الجهود للضغط على رئيس الجمهورية قصد تفعيل مبادرة الاتحاد التي سبق و أن قدّمت له و لاقت استحسان و تأييد أغلب الطيف السياسي. قلت الضغط على رئيس الجمهورية بوصفه، من بين ما اصطلح على تسميته الرئاسات الثلاث، هو الوحيد الذي تسلّم المنصب بعد أن عرض نفسه و برنامجه مباشرة على ثقة الناخبين، وهو بالتالي المالك للشرعية والمشروعية وهو رأس الدولة و ضامن استمرارها و حامي الدستور. و لا يفهمنّ من كلامي هذا رميا للورود للرجل بل على العكس تماما، إنما هو تحميل للمسؤولية. يجب على رئيس الجمهورية أن يعي أن الجزء الاكبر من حلحلة الازمة يقع على عاتقه و أنّه عليه الانفتاح، فعلا لا قولا، مع المبادرات التي قدّمت له، دون التنازل طبعا عن مبادئ الأمانة و الصدق و نظافة اليد التي يشاركه فيها كل وطني غيور، والتي صارت للأسف في مشهدنا السياسي الحالي كالأيتام على موائد اللئام.

أمام هكذا وضع و مع تشرذم المشهد البرلماني وتجدد صراعاته المتكررة التي أنهكته و شوّهت صورته لدى التونسيات و التونسيين، على رئيس الجمهورية أن يبادر و يتحمل مسؤوليته التاريخية بإعادة تفعيل مبادرة الاتحاد و النقاش حول بعض تفاصيلها التي قد تحتاج إلى تعديلات، ثم المضي قدما نحو الحوار الوطني مع كل الأطراف التي تدين بالولاء لتونس، لا لغيرها، و لدستورها بكل ما جاء به من تأكيد على مدنية الدولة واحترام حرية الفكر والتعبير.

احزموا أمركم بني وطني و هبّوا لإنقاذ تونسكم قبل أن تبتلعنا الهاوية جميعا فتستغيثون وقتها...ولكن ولات حين مناص

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا