الشباب وكوجيتو السيستام

بقلم: زياد عبد القادر
شاعر وكاتب

1- الحوار مع الشباب: كلمة تخفي أخرى
في محاولة لاحتواء الاحتجاجات الأخيرة سارع أغلب السياسيين، من المنظومة الحاكمة وحتى من المعارضة، إلى المطالبة باطلاق حوار مع الشباب. جيد. ولكن، ألا يذكّركم هذا بشيء؟ حتى لو قلت «سنة الحوار مع الشباب»، هذه العبارة ألا تذكركم بشيء؟
في البدء، علينا أن نأخذ في الحسبان أنّ معاني الكلمات في معجم الأنظمة المتخلفة هي غير معناها في قواميس اللغة. خذوا كلمة «حوار» على سبيل المثال. ما المقصود حقيقة بهذه الكلمة؟ لفهمها، هل علينا أن نعود إلى الجذر «حاور» أي «جاوبه وبادله الكلام»؟ ألا يكون الفعل «حوّر» بمعنى «غيّر وبدّل» هو جذرها الأصليّ؟ لاحظوا في كل مرة تشتعل الاحتجاجات كيف أنّ تحوير الحكومة يقفز إلى الصدراة، كما لو أنّ المحتجين قد خرجوا، لا من أجل اسماع أصواتهم، ولكن من أجل دعوة الماسكين بالسلطة إلى اعادة تقاسم الأدوار بينهم.
إنّ بحثنا في أصل الكلمات لا يعدّ ترفا، ذلك أنّ قطارا قد يخفي قطارا آخر. «حوار» و»تحوير»، كلمة تخفي أخرى. هذا هو المغزى. في الختام، تذكروا أنّ خطين حديديين يلتقيان فقط في المنعرجات الخطرة، ثم يعودان ليفترقا مرة أخرى.
«الحوار». قرّبوا المنظار المكبّر من هذه الكلمة وسوف تظهر على حقيقتها، لا بوصفها نقاشا حرّا ومتعادلا بين من هم في السلطة ومن هم خارجها، ولكن بوصفها نوعا من العطف والمنّ والكرم الذي يتفضّل به من هو في أعلى الهرم على من هو في الأسفل. إنّ حوارا من هذا النوع، ميزان القوة فيه يميل بشكل فادح إلى أحد الطرفين، لا يعدو أن يكون ضربا من الخداع. معلّقا على كتاب «تاريخ الجنون»، يقول بول ريكور، إن كان فقدانُ العقل لا يقال إلاّ بواسطة اللغة الوحيدة المتوفرة وهي لغة العقل التي تستبعده، فإنّ المشاركين مضطرون إلى اللجوء إلى الصمت. قياسا على هذه الجملة: إن كان الحوار لا يقال إلاّ بواسطة اللغة الوحيدة المتوفرة وهي لغة السلطة، فإنّ المدعويّن إلى الحوار مضطرون إلى اللجوء إلى الصمت.

2- الانتخابات أو في الكوجيتو «ما دمت لم تصوّت إذن ليس من حقك أن تحتجّ»
بعد أيام قليلة من موجة المظاهرات التي شهدتها مدينة الشابة ردا على العقوبات ضد فريقها، مظاهرة أخرى دعا لها أنصار النادي الإفريقي توجّهت إلى مقر الجامعة التونسية لكرة القدم للاحتجاج ضد رئيسها. أيام قليلة مرت على هذه الاحتجاجات قبل أن يشهد محيط مجلس النواب مظاهرة حاشدة تدعو لاسقاطه. في هذه الحالة أو تلك، من العبث تجاهل أنّ الاحتجاج إنما يهاجم رأسا سرديّة الانتخابات. لا يفوتنا أنّ أغلب المحتجين في هذه الحالة أو تلك هم من فئة الشباب. لذلك، في محاولة لقلب الطاولة على المحتجّين، دائما ما يلجأ المنتخَبون إلى كوجيتو مفاده: «ما دمت لم تصوّت إذن ليس من حقك أن تحتجّ». هذا الكوجيتو الذي يغمز من قناة ضعف مشاركة الشباب في الانتخابات هو ادعاء مضلل، إن لم يكن كاذبا. فقبْل أن نتحدث عن عزوف الشباب عن الصناديق كان علينا أن نسائل أنفسنا أولا: في ظل شروط فاسدة، وعلاقات شبكيّة معقدة بين مجموعات مترابطة فيما بينها لا على أسس إيديولوجية وحسب، وإنما أيضا على مصالح مالية وانتماءات جهوية ونظام مصاهرات أسريّة،...في ظل شروط كهذه، ألا يكون يوم الانتخاب قد حُسم قبل أن يبدأ؟ وهذا الذي يشير إلى يوم الانتخاب بوصفه لحظة الحسم، ألا يكون عندها أشبه بمن يشير إلى قمة جبل الجليد ليصرف أنظارنا عن الجبل الحقيقي الذي يرقد في ظلام المياه؟ إذن، هل يُفترض بنا أن نصدّق أنّ شباب الأحياء المفقّر هم فعلا من يحدد من يكون رئيس النادي أو من يكون رئيس الجامعة؟ وبالانتقال إلى الشأن السياسي، مشاركةُ هذا الطيف الواسع ممّن هم «خارج السيستام» هل كانت لتؤثّر فعلا في نتائج الانتخابات التشريعية مثلا؟ هل كانت أصواتهم لتجنّبنا جلوس خليطِ سُويقاء المرق هذا من روابط حماية الثورة وتجّار الفقه ومبيّضي الأموال تحت قبة البرلمان؟

علينا أن نعيد طرح هذه الأسئلة على أنفسنا، فإذا كان الجواب بالإيجاب تعيّن أن نقف عند مجرد حدود اللوم والتأثيم، أمّا إذا كان الجواب بالنفي فالمطلوب في هذه الحالة هو التفكير في مغزى الانتخاب عندما يجري في بلد لا يكفّ مواطنوه عن التدحرج إلى قرارة الفقر المدقع. في ظلّ شروط كهذه، من حقنا أن نتساءل حول ما إذا كان الانتخاب جزءا من خطة خبيثة لنزع الوجاهة عن أيّ احتجاج في المستقبل.

من المؤكد أنّ الذين لم يدلوا بأصواتهم هم أكثر ما يؤرّق السلطة. إنهم لا يفتؤون يذكّرونها بأنهم يوجدون خارج حدود اللعبة، لذلك لا شيء يُلزمهم بالانصياع لقواعد اللعب. إنهم أحرار أنفسهم، ما دام في مواجهة غضبهم لا يمكن استعمال «الانتخاب» حجّة ضدهم.
ما تقوله لنا هذه الاحتجاجات هو أنّ الكوجيتو يسير على رأسه، وحتى يستوي على قدميه لابدّ من اعادته إلى صيغته الأصلية: «ما دمتَ قد صوّتّ إذن ليس من حقك أن تحتجّ». لماذا يُعتّم على هذا الكوجيتو؟ لأنه يقلب الطاولة لا فقط على من يحكم، بل على الجميع بما في ذلك من يُطلق عليهم «جرحى الانتخابات». هذا ما يفسّر أنّ «المنظومة» التي ينادي المحتجوّن بإسقاطها تشمل على حد السواء من كان في الحكم أو في المعارضة. قبل التفكير في نعت هذا الموقف بالشطط، هل تعتقدون أنّ المحتجين كانوا سيتّجهون إلى البرلمان مطالبين باسقاطه لولا قناعتهم بأنّ «العلاقة بين جميع أطيافه ليست علاقة اختلاف، بل علاقة تماثل، وأنه لا فرق بين الواحد والآخر إلاّ بالموقع، فهذا هو ذاك وذاك هذا، ما إن يحتل الواحد منهم موقع الآخر حتى يصير مثله»؟

فلنكتفِ بهذه الأسئلة ولنضع النقاط على الحروف. يمكنكم قول ما تشاؤون حول هذه الاحتجاجات. ولكن هل من سبيل لانكار أنها قد ردّدت داخل أكثرنا إيمانا بالديمقراطية التمثيلية صدى عبارة فيتولد غمبروفيتش المعجونة بالغضب والمرارة: «غير أنني أود أن أدوّن أنّ الانتخابات دائما ما تذهلني. هذا اليوم عندما يكون صوت الأمي يتساوى في قيمته مع صوت العالم، صوت الغبي يتساوى في قيمته مع صوت الحكيم، صوت الخادم يتساوى في قيمته مع صوت الزعيم، صوت المجرم يتساوى في قيمته مع صوت الرجل الشريف، فهو بالنسبة إليّ اليوم الأكثر جنونا من كل الأيام. لا أفهم كيف يمكن لهذا الفعل العجيب أن يحدد لبضع سنوات آتية شيئا مهما جدا من الناحية العملية، كحكم البلد؟».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا