أزمة مجتمع أم أزمة مجتمع مدني؟

العقد الاجتماعي هو الذي يخرج مجتمعا من أزمته. العقد الاجتماعي هو تلك العلاقة المتينة بين المجتمع والدولة وهو أيضا الضامن لتواصلهما.

وقد يحدث أن يكون العقد الاجتماعي رخوا لأسباب عديدة منها عدم القدرة على تجديد نفسه أو أن أحد الأطراف المشكلة له لا تستجيب لمتطلبات المرحلة لأسباب تخصها. وقد عرفت تونس عقدا اجتماعيا تواصل إلى حدود 2011. وهو عقد كانت فيه المنظمات الوطنية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد المرأة واتحاد الفلاحين على سبيل الذكر حاضرة كل من موقعه للمشاركة في إدارة هذا العقد الاجتماعي الذي يضبط علاقة الدولة بالمجتمع و يضبط أيضا علاقات الناس فيما بينهم.
المثير في المسألة أن مكونات العقد الاجتماعي طيلة أكثر من خمس عقود هي في الآن نفسه منشغلة بما هو اجتماعي مثلما هي منشغلة بما هو سياسي وبدرجات متفاوتة. الأمر لا يزال مطروحا إلى الآن. ضعف العقد الاجتماعي وضعفت معه مكوناته لأن هذا العقد لم يتلاءم بما هو جيد مع سياق انتقال ديموقراطي بآفاق جديدة وبمنطق جديد. فلا العقد الاجتماعي طور بالشكل المطلوب من مضامينه ولا مكوناته مستعدة لتغيير أسلوب تفطيرها وأسلوب ممارساتها. لقد أدخلت الديموقراطية شروطا جديدة منها ما يتصل باحترام الاختلاف وحسن إدارته وأدخلت كذلك فاعلين لم يكونوا في الصورة قبل 2011 ومن هؤلاء مؤسسات المجتمع المدني بتنويعاتها العديدة ومؤسسات الاعلام. وأتاح الانتقال الديموقراطي أيضا لهؤلاء الفاعلين إمكانية أن يشاركوا في إدارة هذا العقد الاجتماعي كل من موقعه ومن مصالحه. تغير المشهد وأصبح صعب الفهم وصعب المراس ولم يقدر العقد الاجتماعي أن يواكب الصراعات المحتدّة اجتماعيا وسياسيا.
كانت الدولة هي التي تقود العقد الاجتماعي وتطوعه لفائدة صناعة التوازن وكانت عبر الحزب والإدارة قادرة إلى حدّ ما على توزيع التوازنات والإبقاء عليها وتمتينها. وقد يحدث أن يضعف هذا العقد ولكن كانت للدولة القدرة الكافية على إنعاشه إما بقدرات الزعامة أو بقدرات المؤسسات أو بالإثنين معا. ولكن ما تشهده البلاد مؤخرا من احتجاجات اجتماعية ومن انسداد الأفق السياسي يكشف لنا عن ضعف كبير في الوسائط التي ندير بها الأزمات. وهذه الوسائط هي المكون للعقد الاجتماعي الرخو، فلا الأحزاب السياسية قادرة على القيام بهذا الدور ولا المنظمات الوطنية ولا مؤسسات المجتمع المدني. هناك إذا فراغ كبير في إدارة الآزمة، والآزمة بعض من حلولها موجود عند الشبكات الموازية، شبكات الهجرة وشبكات المخدرات وشبكات الدعارة وشبكات الجريمة المنظمة. وجد المهمشون والمنسيون من العقد الاجتماعي الرخو في هذه الشبكات إجابات لم يعد العقد الاجتماعي قادرا على تقديمها لمن يطلبها.
نحن إزاء أزمة وسائط، نحن إزاء أزمة مجتمع وأزمة مجتمع مدني لم يستطع في السنوات العشر الأخيرة أن يندمج بقوة في تفاصيل المجتمع ولم يستطع أن يشكل ثقافة بديلة إلى درجة يمكن التساؤل معها هل لنا مجتمع مدني أو لنا فقط جمعيات مجتمع مدني والفرق بين المسألتين على قدر كبير من الأهمية. ولهذا من المنطقي أن نضع المجتمع المدني في قلب العقد الاجتماعي. لدينا مجتمع مدني يشتغل تحت الطلب، يضع مسافة بينه وبين مكونات المجتمع ويقتصر فعله على تسجيل قائمات بالأنشطة لا غير يحاسب بها مموليه دون وجود أثر دائم. كان العقد الاجتماعي في حاجة أكيدة لمجتمع مدني يغير نحو الأفضل ويضغط من أجل الأجمل ويراقب من أجل المساءلة الاجتماعية. ولكن العقد الاجتماعي الرخو الذي يراوح مكانه منذ عقود لم يستطع أن يقبل بهذا الجسم الجديد ولم يجعل منه فاعلا قويا لإدارة الشأن العام والمشاركة في البناء وفي إدارة الأزمات.
هناك من يطرح فكرة ثورة ثانية هي ثورة المجتمع المدني الذي يتولى التغيير الفعلي حين فشلت الأحزاب عموما في ذلك. تجربة واحة جمنة كثيفة بالدروس المستقاة وهي دروس في الحوكمة المحلية أساسا حين يأخذ المجتمع المدني بزمام التنمية ويكون عرضة للمساءلة الدائمة. تجربة المعهد العربي لحقوق الانسان هي الأخرى تجربة فريدة في كيفية اندماج المجتمع المدني في النسيج المجتمعي لحيّ شعبي. و تصبح حقوق الانسان في معانيها ومستوياتها المختلفة جزءا من ذهنية المهمشين و مرجعا لسلوكهم. ولهذا كان أثر هذا الاندماج قويا من حيث تراجع نسب الانقطاع المدرسي وتراجع نسب الجريمة وتكونت حول التجربة المدنية هذه رؤية مغايرة لسكان الحي لشروط وجودهم.
هنا يمكن للمجتمع المدني حين يغيّر بوصلة رؤيته للأشياء أن يكون معالجا ذي مصداقية وفاعلية كبيرة لأمراض المجتمع وتناقضاته.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا