برج بابل: النادي الإفريقي: محنة ناد، محنة وطن

كرة القدم خلاصة رمزية لسيرة وطن. لا يمكن أن نقرأ الأوطان بعيدا عن هذه اللعبة التي تسيطر على أذهان الناس وعواطهفم. فإذا لم تكن كرة القدم كل المجتمع،

فإن كل المجتمع مبثوث في تفاصيلها. هذه اللعبة العالمية هي مفتاح سوسيولوجي لفهم تطلعات الناس وتناقضات حياتهم اليومية وهي أيضا ما يتوق مريدوه إلى تحقيقه في سياق جديد هو سياق الانتقال الديموقراطي.
كيف يمكن لناد عمره مائة سنة أن يكشف لنا عن تطلعات وطن وهل أن أزمة النادي هي في الآن ذاته أزمة وطن؟

يمرّ النادي الإفريقي في مائويته بمحنة غير مسبوقة، هي في الظاهر أزمة نتائج وهي موجودة فعليا ولكن في العمق هي أزمة تساؤلات عديدة حول الحوكمة وحول مقاومة الفساد وحول هوية في حالة قلق دائم وحول مصير غير واضح المعالم. فقد النادي حيويته المعهودة، فقد مكانته بين النوادي الأخرى، هو عنوان خلل متواصل. ولا يجد المناصرون ما يقلّل لديهم الإحساس بالغبن وبالإهانة.

بدأت الآزمة الفعلية للنادي عندما وقع استعماله سياسيا وحين أصبح رقما انتخابيا في المعادلة التي تلت انتخابات 2014. فعندما ينتقل النادي من ناد رياضي إلى أشبه بالحزب السياسي أو بالمشروع السياسي، عندها يقع التعامل معه كرقم في المعادلة السياسية وهنا تتمّ حوكمته بخطاب وبممارسة سياسية. ويقع انتداب اللاعبين من كل حدب وصوب وبمبالغ مالية عالية أشبه بانتداب فاعلين سياسيين يبحثون عن الغنيمة أكثر من بحثهم عن الفكرة. قد تصل هذه المقاربة إلى نجاحات ولكنها في كل الأحوال نجاحات وقتية تنتهي بانتهاء المشروع السياسي للنادي، هناك استقلالية نسبية للنوادي الرياضية عن الحقل السياسي، ولكن في حالة النادي الإفريقي هناك اندماج كلّي بين المسألتين.

ما يلفت الانتباه أنه أمام وضع كهذا يضع مناصرو النادي تحديات ثقافة جديدة وهي ثقافة الإنقاذ والتي بموجبها يتحملون مسؤولية البحث عن هوية غير سياسية للنادي، أي بالرجوع إلى ما يعتبرونه ثوابت النادي المتعارف عليها. لقد شكل مناصرو النادي قوة فعل وقوة اقتراح بإبداع طرق جماعية لتجاوز المشاكل المادية للنادي. ولكن ما يهتم به المناصرون هو كيفية وضع إدارة و حوكمة سليمة لهذه المؤسسة و كانت الاحتجاجات المتواصلة عنوانا جديدا أرادوا به إيصال غضب جماعي على وضعية غير مقبولة. وأدخل هؤلاء المناصرون عناصر جديدة للاحتجاج مركزها الأساسي مقاومة ما يسمونه فسادا ماليا وإداريا أوصل النادي إلى هذه المحنة المتواصلة.

تولّى المناصرون وضعية النادي واسسوا لفعل جماعي سموه «اللطخة» وهو عنوان لفعل تشاركي جديد بموجبه لا يكتفي المناصر بمتابعة النتائج بل بمتابعة حوكمته وقد تمّ تجاوز مقولات قديمة مثل مقولة « كبار النادي» وهي مقولة كلاسيكية اشتغلت لسنوات يقوم بموجبها بعض النافذين ماليا بمساعدة النادي وإخراجه من أزماته العرضية بمقابل سياسي ورمزي. لقد تمكّن المناصرون من تحييد هذه المقولة وهي مقولة شبيهة بمقولة الدولة الراعية لفائدة عمل تشاركي يتولى المناصرون الاشراف عليه.

بهذه الطريقة أسّس المناصرون لثقافة جديدة هي ثقافة الفاعل الذي الجماعي الذي يتدخل في المنظومة لإصلاحها بطريقة أفقية فيها الكثير من التشاور والمشاركة والذهاب مباشرة إلى الأسئلة الحارقة ومنها سؤال مقاومة الفساد. وبهذا استعاد المناصرون المنظومة وسيشاركون في بنائها من جديد من خلال اهتمامهم بالانتخابات القادمة. قد تشكل انتخابات الهيئة الجديدة للنادي والتي ستتمّ في القريب فعلا ديموقراطيا بموجبه سيكون النادي تحت رقابة أكبر وأجدى من طرف مناصريه.

ما يقع في حياة النادي الافريقي قد يكون أيضا درسا جديا للوطن في التعامل مع أزماته. وما يحتاجه الوطن في ظل الآزمة الخانقة هو نفسه ما يحتاجه النادي لتجاوز محنته. كلاهما يحتاج إلى حوكمة جديدة فيها الكثير من الشفافية والوضوح. كلاهما يحتاج أيضا لقيادة فعلية ذات مسؤولية و لفعل تشاركي يضع جانبا هيمنة «كبار النادي» أو هيمنة « كبار السياسة» وكلاهما يحتاج إلى الجرأة والابداع في تقصي الحلول الممكنة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا