CV حُوماني: مسارات شباب أحزمة المُدن المُنهكة

هدأت الأحياء المحيطة بالمدن، وكفت عن شغبها الليلي ورجع شبابها إلى المعتاد من الأيام الرتيبة يبحتون عن مستنقع آخر يتناولون فيه غضبهم بالمعالجة.

أحدثوا هرجا طيلة ليال شتوية، خرّبوا ما لذّ لهم من الممتلكات العمومية والخاصة وواجهوا الأمن تحت عدسات التصوير وقراءة المحللين. وكان السؤال لماذا يخرّب هؤلاء؟ لماذا يحتجون في الليل؟ لماذا احتجاجهم غير محترم لأنه غير نهاري؟ لا يعلم هؤلاء الذين يطرحون الأسئلة أن المحتجّ هو الذي يختار أزمنة احتجاجه وهو الذي يعطيها المعنى الذي يُناسبه، لا أحد يشارك هذا الشباب معاناته المتواصلة.
ينشا الشاب في حيّ أو مدينة حزامية وهو مثقل بكل أصناف التمييز وعليه منذ الطفولة أن يجد المعادلة المناسبة بين طموحاته المشروعة وبين ما يحصل عليه في النهاية. وضع عائلي في الغالب غير جاذب، ومدرسة منفّرة، وطرقات غير آهلة للمرور السليم وخدمات رديئة وأحلام مؤجلة. في هذا السياق، يبحث الشاب عن انتماء مُتخيّل يكتشفه مع الأيام في صحبة أقرانه، يشاركهم التجارب المختلفة ويعيش معهم الاختبارات الممكنة، ينجح في بعضها، يخفق في الأخرى ويعدّل مساراته دون رقيب أو مرافق. يختزل شاب المدن والأحياء الحزامية سنوات طفولته ومراهقته في بضع سنوات قليلة وهو في الغالب مفعم بالنقمة والقرف. لا يخرج من حيّه إلا ليذهب إلى ملعب كرة قدم، نافذته على العالم وعلى الآخرين.
يتدرّب شاب المدن والأحياء الحزامية على بناء سيرته الذاتية، يضعها للمرافعة أمام اقرانه، يقارن سيرة بسيرة، يقيس اندماجه معهم على ضوء رضاهم عنه، يتولى تمتين هذه السيرة بأفعال يراها تأهيلية وكفاية. يسعى هذا الشاب إلى وضع موطأ قدم له مع الآخرين وهو في فعل مقارن لا يكلّ. يبني سيرته وهو في خصومة متواصلة مع أبويه، عليه أن يجد استقلاليته الدائمة، لا ينتبه في الغالب لمتطلبات المدرسة وإكراهاتها. تتطلب سيرته كي تنجح أن يكون هذا الشاب ليليُّ الهوى والحركة، يتدبّر أمر جلساته الممتعة، يخطّط لفعل بطولي ويبحث عن تمويل لسيجارة تخرجه من عالم الكوابيس المتواصل.
طقوس الانتقال في حيّ حزامي تجربة مُضنية، وشم في الساق أو في اليد الممدودة، سيجارة وأخرى مخدّرة، عُلب الدواء متوفرة في غير الصيدليات، عربدة بالطريق العام، خصومة مع الأقران، سرقة بموجب أو بغير موجب، ضعف دراسي ومغادرة القسم باكرا، مواجهة مع الأمن في الأيام العادية وأخرى في شكل احتجاجي متلفز، بطاقة هوية وطنية لا يريد النظر إليها من الخلف لأنه يستحي من الانتماء، قصة غرامية عابرة إن استطاع إلى ذلك سبيل، ومناصرة فريق كرة القدم في أيام الزهو القليلة، لا بأس من أيام أو أشهر في السجن، هذه خصلة جاذبة في السير الذاتية لهؤلاء. تلك هي أيام شاب الأحياء الحزامية وهو لا حزام له، تلك طقوسه كي يقول لنفسه أولا وللآخرين ثانيا أنه يمتلك أصول الاعتراف.
سيرة حُوماني هي سيرة شاب لا يجد الاعتراف إلا في حيّه بين ذويه من الأقران، يغني معهم أغاني الراب الحزينة والمتوهجة يشارك في الثورات ولا ينال نصيبه منها، يُخطّط لهجرة سرية باحثا عن عمل وعن أمل وعن زوجة تأويه، سيرة حُوماني هي المشكل الذي يتحوّل من مشكل اجتماعي إلى إخفاق شخصي. على الحُوماني أن يبحث عن خلاصه دون الدولة ودون العائلة ودون كل مؤسسات المرافقة التي لا تُرافق. لا إجابات لديه، يبحث عنها في أي مكان، وتأتيه الشبكات من كل مكان، شبكات الاتجار بالبشر وشبكات المخدرات وشبكات الإرهاب والدعارة وشبكات الجريمة وغيرها كثير. تُقدّم له العروض وتغريه بان ينخرط في أتونها، يُصبح أسيرا لها، يرى فيها ما لم يره في غيرها، يدافع عنها ثم لا يلبث أن يديرها ويحميها. هنا ينتقل إلى هوية جديدة هي هوية الفاعل – الشبكي.
هذه سيرة من سير عديدة في الأحياء الحزامية، ليست وحدها، هناك أخرى تختلف عنها. هناك سير الإناث يبحثن عن موقع تحت الشمس بأساليب مغايرة، هن أميلُ إلى الشبكة العنكبوتية يبحثن داخلها عن فرص النجاح، هي سير مسالمة في ظاهرها، عنيفة في بعدها الرمزي لأنها مبنية على مقارنات عويصة وشائكة ومؤلمة أيضا. نرجسيات الفروقات الصغرى هي التي تجعل منهن باحثات عن أفق أخر بعيدا عن الازدراء الفاحش. يجد شباب الأحياء الحزامية أنفسهم في مقارنات دائمة تتعهد بها الشبكات العنكبوتية ويفرزها مجتمع الفرجة ومجتمع صور «السيلفي «و « الأنستغرام» الذي يضع الفرد في معركة متواصلة من الانهمام بالذات، فالذات موجعة في طلباتها المستمرة، تلحّ على الفرد بأن يفعل شيئا ما من أجلها، بأن يتحرك في كل الاتجاهات بلا بوصلة وبأن يخوض كل التجارب مهما كانت مفارقاتها، المهمّ أن يجرّب دون هوادة. ما بقي من آثار التجربة جراحا رمزية لا يهمّ.
في هذه الأتون، تبقى القدرة على الصمود هي الأرقى. مؤسسات الوساطة الاجتماعية هي الأقدر على تحويل السيرة الذاتية المنكوبة إلى فرص للعيش المشترك الذي هو في الآن نفسه عيش كريم. تأتي الوسائط الاجتماعية عبر المجتمع المدني الذي يشكو هو الآخر ترهلا بدأت ملامحه في الظهور. مجتمع مدني ادماجي يلتقط عناصر الضعف ويحولها إلى طاقة إيجابية، يقترب من أكثر فأكثر من طبائع الناس ويرافقهم في أزماتهم ويعطيهم فرصا لتجديد الاعتراف بذواتهم. والأزمات الكبرى تحتاج دوما إلى وسائط كبرى... في الأثناء يتسابق شباب أخر لتقديم سيرهم الذاتية لشركات الانتداب، ويبقى شباب الأحياء الحزامية يراقبون بعيون زائغة سيرتهم الذاتية المنكوبة... حُوماني...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا