مجابهتنا للكورونا معركة وجود

بقلم: عبد الستار بن موسى

لقد مرت البشرية على مدى العصور بأوبئة عديدة كالسل والطاعون .أوبئة انتشرت في جل البلدان وأهلكت الإنسان والحيوان ولم

تخل نهاية سنة 2019 من ظهور وباء جديد تمثل في فيروس كورونا نشأ في مدينة يوهان الصينية وسرعان ما انتقل إلى كافة الأوطان.
أصبحت بلادنا منذ الأشهر الأولى من سنة 2020 تعيش على وقع الجائحة الجديدة و قد كانت الموجة الأولى ضعيفة نسبيا ومحدودة المدة ، وتمت مجابهتها بحجر صحي شامل لعدة أسابيع اثبت جدواه في المجال الصحي إلا أنه عمَق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها بلادنا منذ سنوات عديدة قبل الثورة وبعدها .
أزمة اقتصادية تمثلت في انكماش اقتصادي تفاقم سنويا ليصل الآن إلى 10 % سببه المنوال التنموي المرتهن للقوى المالية العالمية ولأباطرة المال والتهريب .
وأزمة اجتماعية متعددَة المظاهر : ارتفاع في نسبة البطالة وصل إلى حد 21 % واتساع رقعة الفقر وتدني المرافق العمومية الصحية والتعليمية وحتى الرياضية رغم المجهودات التي تبذلها الدولة ورغم دسترة الحقوق الاجتماعية فإنها ظلت مهمشة وغير مفعلة وزادتها جائحة كورونا تأزَما .
لما أشرفت سنة 2020 على نهايتها حلَت بالعالم موجة كوفيد جديدة قاسية وعنيدة ستظل تلازمنا لأشهر عديدة ، أكد في شأنها الأمين العام للأمم لمتحدة أخيرا بأن الوضع الوبائي دقيق يتميز بظهور سلالات جديدة تستدعي تشديد إجراءات التوقي .
إن الوضع الوبائي المتولد عن الموجة الثانية لم تقع معالجته منذ البداية بكل عزم و بكل حزم حتى أصبحت بلادنا تسجَل أرقاما قياسية من يوم إلى آخر ليتجاوز عدد المصابين الثلاثة ألاف وليصل عدد الوفيات 88 يوم 15 جانفي أي بمعدل وفاة كلَ 18 دقيقة و صار المديرون الجهويون والمسؤولون عن الصحة يطلقون صيحات فزع ويدقون نواقيس الخطر في كل أنحاء البلاد.
لقد اتفق أخيرا وزير الصحة فوزي المهدي والناطقة باسم الوزارة إنصاف بن عليَة بأنَ الوضع الوبائي خطير ودقيق ممَا يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة تجنب البلاد انهيار المنظومة الصحية وعجزها عن قبول المصابين بالكوفيد وتقديم الرعاية الصحيَة اللازمة لهم .
إذا كانت الوقاية خير من العلاج فما بالك بداء ليس له إلى حد الآن دواء حيث تكتسي الوقاية أهمية قصوى وتصبح واجبا محمولا على الجميع لتفادي نقل العدوى في مجتمع انتشرت فيه اللامبالاة والفوضى .
إن الوقاية لم تكن في بلدنا منذ البداية في مستوى التحديات ولئن استبعد المسؤولون عن المنظومة الصحية الحجر الصحي الشامل لما له من آثار سلبية في مختلف المجالات اقتصادية كانت أو اجتماعية وحتى سياسية ،ولئن أكدوا على عدم جدوى الحجر الصحي لمدة أربعة أيام فإنه مع ذلك تم إقراره وهو ما يبرز الصيغة الارتجالية للقرارات المتخذة في هذا المجال، إن الإجراءات الوقائية التي نادت بها المنظمة العالمية للصحة و خبراء الصحة في مختلف أنحاء العالم و أوصت بها اللجنة العلمية ببلادنا لم يقع إقرارها بكل عزم وتنفيذها بكل حزم مثل وجوب ارتداء الكمامة والتباعد واستعمال وسائل التعقيم وقيس درجات الحرارة، فعديد المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية و حتى بعض الإدارات العمومية لا تتشدد في فرضها، كما أن إجراءات المراقبة لا تتم بصفة آلية ومستمرة لردع المخالفين أضف إلى ذلك وسائل النقل التي تشهد اكتظاظا، خاصة في أوقات الذروة، دون زجر المخالفين للإجراءات الصحية. أما بالنسبة للتحاليل والقبول بالمستشفيات العمومية فحدَث ولا حرج، إذ لم يكن التحليل منذ بداية الموجة الثانية إجباريا ومجانيا لمن يحمل عوارض صحيَة وخاصة بالنسبة للفئات الفقيرة التي لا تقدر على دفع التكاليف الباهظة للتحليل، كما أن التحاليل الفورية والمجانية لم يقع إقرارها إلا عندما استفحلت الكارثة ولم يقع تعميمها في كامل أنحاء البلاد، علما بأن العديد من الدول جعلت التحليل إجباريا ومجانيا خاصة في الأوساط التربوية والصحية. هذا وإن الحصول على سرير بأحد المستشفيات العمومية أصبح صعب المنال.
إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك لذلك أصبح من الضروري و الأكيد وضع إستراتيجية وقائية واضحة المعالم تطبيقا لتوصيات المنظمة العالمية للصحة كإلزامية حمل الكمامة وتوفيرها مجانا لمستحقيها وتعميم التحاليل الفورية وتوفير وسائل التعقيم ومراقبة وسائل التنقل والفضاءات العمومية و الخاصة التي تشهد اكتظاظا، و تنفيذ تلك القرارات بكل حزم، و ردع المخالفين على غرار ما حصل أثناء الحجر الصحي الذي امتد طيلة 4 أيام. يجب أن نجعل من التصدي للامبالاة ومقاومة العدوى مسألة وطنية بالغة الأهمية .
أما مسألة التلقيح فقد أثارت جدلا كبيرا وأسالت حبرا كثيرا وحتى إن أوجس البعض خيفة من التلقيح واعتبره شرا فإنه لابد منه في غياب العلاج قصد السعي إلى تقليص العدوى أملا في وضع حد للجائحة التي لا تستثنى أحدا مهما بلغ عمره وتأتي على الأخضر واليابس. لذلك على المسؤولين في بلادنا وضع استراتيجية محكمة وواضحة المعالم والحزم في تطبيقها من الآن فجميع دول العالم تسعى إلى تلقيح شعوبها بداية من السنة الحالية أملا في إمكانية عودة الحياة إلى طبيعتها.
قد بدأت حملة التطعيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 14 ديسمبر 2020 في القطاع الطبي وشبه الطبي وتم توزيع 15 مليون جرعة على مختلف الولايات الأمريكية أما العدو الصهيوني فقد كان سباقا في هذا المجال إذ تولى رئيس وزرائه إجراء تلقيح فايزر مباشرة على الهواء يوم 19 ديسمبر 2020 كما حصل ربع السكان على التلقيح المجاني .
أما بالنسبة للدول العربية فتعتبر دولة البحرين من أكثر دول العالم تلقيحا لسكانها ويرجع ذلك إلى موافقتها المبكرة على لقاحين الأول أمريكي والثاني صيني أما الإمارات فقد أجازت التلقيح وسعت إلى توفيره منذ شهر سبتمبر 2020 لفائدة العاملين في الميدان الصحي. المغرب بدوره انطلق في حملة التلقيح ضد كوفيد منذ شهر جانفي 2021.
لقد أكد خبراء الصحة العالمية مرارا وتكرارا بأن الحل النهائي لجائحة كورونا سيكون علميا من خلال اللقاح ثم الدواء وأنَ عملية الشراء المسبق للقاح أو الدواء راسخة ولا بد منها في صناعة العقاقير باعتبارها تؤدي الى تحفيز تطوير المنتجات .
ولما كانت اللوبيات العالمية لصناعة الأدوية تسعى بالأساس إلى تحقيق الربح الوفير فإن أي شخص يدفع أكثر في المرحلة الأولى من الإنتاج سيحل في مقدمة قائمة الانتظار.
وفي هذا المجال أكد بحث أجرته جامعة ديوك الأمريكية بأن الغالبية العظمى من جرعات اللقاح التي تم شراؤها حتى الآن ستذهب إلى البلدان الغنية وتقول الخبيرة في الصحة التي قادت تجارب تحليل جامعة ديوك أن الجمع بين اتفاقيات الشراء المسبَق والقيود المفروضة على عدد الجرعات التي يمكن تصنيعها في العامين المقبلين سيؤدي حتما إلى سيناريو حصول الدول الغنية على اللقاحات ومن غير المرجح أن تصل إليه الدول الفقيرة.
لقد أكد رئيس الحكومة بأن الدولة التونسية تسعى إلى توفير اللقاح مجانا كما أكد مدير معهد باستور بأنه قريبا سيتم إطلاق تطبيقة إلكترونية جديدة لتنظيم عملية التلقيح ضد كورونا وبأن تونس انظمت إلى مبادرة كوفاكس التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع البنك الدولي من أجل تمويل البلدان الأقل دخلا للحصول على لقاح كورونا وبأن بلادنا اقتنت أيضا كميات من تلقيح «فايزر» الأمريكي ستصل إلى بلادنا في الثلاثي الثاني من السنة الحالية .
إن هذه التصريحات غير كافية إذ يجب أن تنتقل من مجرد الأقوال إلى الأفعال فاختيار التلقيح الناجع والمفيد وشراؤه أولوية قصوى لا يتوقف على منَة أو مساعدة بعض الدول .
لا بدَ أن تسعى الحكومة من الآن إلى شراء الكميات اللازمة من التلاقيح ذات النوعية الجيدة لتوزيعها على مستحقيها مجانا كما أنه لا بد من ضبط خطة لوجستية دقيقة لحملة التلقيح تتضمن كيفية نقل اللقاح و تبريده و تخزينه و توزيعه عبر تطبيقة الكترونية تشمل اختيار السَجلات وطريقة وضعها لتسجيل المنتفعين من التطعيم في المرحلة الأولى وبيان المراكز المؤهلة ونشر الوعي لدى الخاصة والعامة حول جدوى التلقيح .
لقد تأخرت بلادنا كثيرا في التوقي من ارتدادات الموجة الثانية من جائحة كورونا وفي إقرار الإجراءات الوقائية وتنفيذها بكل صرامة كما تأخرت أيضا في الحصول على التلاقيح، وهو ما يهددنا بخطر تفشي العدوى لأشهر قادمة مما سيؤدى إلى تفاقم الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية.
إن الفصل 38 من الدستور أكد على التزام الدولة «بضمان الرقابة والرعاية الصحية لكل مواطن وبتوفير الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية « وهو فصل هام لكن الأهم منه هو تفعيله بكل عزم وحزم والعزم يبدأ من الآن وليس غدا وإلا لفَه النسيان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا