الكي .. «انتهازي» حتى في ديمقراطيته !!

بقلم: وائل بن فرج
كاتب صحفي تونسي
لم يفهم أحد إصرار الرجل على إنجاز مؤتمر حزبه وإتمامه في هذه الظروف القاهرة التي تمر بها البشرية قاطبة! ناهيك وأن أهم مخرجات

هذا المؤتمر عنوانها الأكبر تخليه طوعا عن «زعامته» وقيادته لهذا الحزب الذي أفنى عمره في صياغة أسسه النظرية وخط مسالكه السياسية وبناء تمفصلاته التنظيمية.
هو ببساطته محمد الكيلاني، أو «الكي» كما يطيب لمنافسيه قبل أصدقائه أن ينادوه. رجل آثر، على خلاف العادة والعادات والعوائد، أن يكون أشد الحريصين في هذا «الزمن اليساري الزعاماتي» بامتياز، أن يسرع الخطى ويصر ويلح على إنهاء زعامته لحزبه «الإشتراكي» مسلما مشعل القيادة تشريفا وتكليفا لمن هم بعده دون تعنت ولا حسابات ضيقة ولا حتى ضمانات لعدم الالتفاف على موروثه. ديدنه في ذلك «شراسته النضالية» الضاربة في عمق تاريخ اليسار التونسي الحديث بداية مع تجربة مجمع الدراسات الإشتراكية مرورا بتجربة آفاق والعامل التونسي وليس انتهاء عند تجربة حزب العمال الشيوعي التونسي الذي شارك في تأسيسه ثم سرعان ما انشق عنه ليؤسس «كتلته»، التي بدأ معها فكره المتمايز عن جل تشكيلات عصره اليسارية، في التجلي والتوضح ومن ثمة الانتشار.
«الكتلة» .. تلك الكتلة المنشقة عن حزب العمال كانت أولى خطوات الكي التنظيمية الحصرية، جاءت من بعدها حلقة الشيوعيون الديمقراطيون ثم تلاها الخوض في إئتلافات سياسية فيها الظرفي التكتيكي وكذا الاستراتيجي انطلاقا من إئتلاف الموقف رفقة أحمد نجيب الشابي ورفاقه وليس إنتهاء عند مغامرة المبادرة الديمقراطية بمعية حركة التجديد حينها وكوكبة أخرى من الشخصيات اليسارية الديمقراطية المستقلة .
هكذا اختار الكي ورفاقه أن يكون هديهم التنظيمي تصاعديا نسقا وتفاعلا مع مستجدات الساحة السياسية الطارئة.
هدي وكذا نسق أختاروا له أن يمضى بتؤدة وروية إلى حد استنتاج خلاصة واضحة المعاني والأسانيد أساسها تأسيس حزب «قانوني علني» أنجز مؤتمره الأول بشكل سري ذات أكتوبر من سنة 2006 اختاروا له تسمية «الحزب الاشتراكي اليساري».
لا مناص أن تجربة الرجل السياسية في ظل تلك «الحوانيت الحزبية اليسارية السرية» محدودة الإمكانيات والحركة والفعل السياسي واسع الانتشار زمن الديكتاتورية، قد فرضت عليه نوعا من «العدوانية التنظيمية» يحق للمقربين إليه أن يسموها «صرامة» من شأنها أن تحفظ وحدة الخط والصف النضاليين والتنظيميين، كما يحق أيضا لنقاده ورفاقه الذين لفظهم التنظيم أو لفظوه أن يسموها بكونها «تكلسا واستفرادا بالرأي» أو ضربا من ضروب «الذبح السياسي».
بسحنته العنيفة وقبضة يده التي لن تنسى شدتها يد صافحتها يوما، يكمن كهل دبجته يراعة الفتى مازال يحلم بغد أفضل للبشرية جمعاء، صبياني الضحكات مقهقه في الأزمات والمد قبل الارتدادات والجزر، رقيق قدر غلظته، صارم قدر ليونته. هو ببساطة شخص من لدن هتي الأرض المهتزة تجمعت فيه جل نواقضها ونقائضها فأحدثت فيه توازنا غريب الأطوار.

الكي رفيق الأجيال .. كم من هامة صعدت على قفاه وكم من هامة دكت «وقدمت قربانا» في مداه. يكتب بسلاسة الأنبياء فيفتح الآفاق، و»يعاقب كجلاد جائر» فتنغلق من بعده كل الآفاق. الكي هو هكذا إما أن تقبله دفعة واحدة أو أن تلفظه دفعة واحدة لا شططا بينهما ولا شطط.
شاب جبلي أتت به أحلامه وكذا «أحقاد» أبناء جلدته إلى مدارات السياسة وعوالمها فكان يساريا وفيا منضبطا تملك من خلاصات الأفكار وصار عنصرا تنظيميا «خطيرا» ومهددا لطمأنينة نظام الدولة القائمة حينها فغنم عداء الهادئين وتمت مكافأته على أحلامه تلك بالسجن والتنكيل وحتى الرصاص !!
هو الكي كذلك .. ولذلك، أحبه من أحبه وعاداه من عاداه. سماته الأبرز برودة أعصاب في كل الحالات والظروف كأنها الجليد المركز، وتحكم «شبه آلاتي» في العواطف والوشائج وردود الفعل والأفعال، ووضوح في الرؤية لا تعميه ضبابية في المشهد السياسي ولا عواصف عرضية هادرة لطالما «انحنى لها» كي تمر بسلام مما دفع خصومه لتوصيفه ب»الانتهازي»، وبالمثل حسم تنظيمي لا يخلو من قساوة في كل من تلمس فيه تهديدا حقيقيا لوحدة تنظيمه وديمومة مشروعه.
لكنه ورغم كل ذلك وببساطة، وبالفعل قبل القول فقد كان «الكي» انتهازيا ومهادنا ورؤوفا؛
انتهازي في صونه لرفاقه الذين جنبهم وطأة السجون التي خبر كمدها، مهادن في تعامله مع انفلات البعض منهم وغيرهم يمينا ويسارا، رؤوف بالسذج قبل المتنطعين ما دامت قلوبهم تنبض يسارا وما دامت سحبهم أينما أمطرت لا تؤتي خراجها في أراض وسهول قاحلة، محتكرة للثروة، عدوة للإنسان.
الكي وإن استعصى جل هذا التداخل الذي يحدوه على ريشة فنان يروم رسمه، فإن القلم إذا ما كتب فيه حتما سينصفه قبل أن يجلده. وما أشد جلد القلم لصاحب قلم وما أشد إنصافه له إذا رام.
خلاصة القول، بالأمس القريب جدا، وبعد كل هذه المعارك والمعتركات الدامية بين ضلوع الرجل حينا والهادئة أحيانا والعصيبة أحيانا وأحيانا .. تخلص «الكي» من حمله الثقيل في مشهد ديمقراطي راق قل نظيره، وسلم العهدة بتركتها الثقيلة ومفاخرها العتيدة إلى رفاقه.
اختار «الكي» أن ينهي تجربته كما بدأها .. عضوا منخرطا تنظيميا «خطيرا» في حزبه الذي أسسه على كل من تخول له نفسه الارتداد عن هديه .. يطمح إلى الريادة تزهدا مثلما طمح لها شأن أبناء عصره زعامة.
كذا اختار الكي أن يكون «انتهازيا» حتى في دمقرطة حزبه زمن «شماعة الوباء» الحائل دون أية حركة.
ففي الوقت الذي تؤجل فيه مؤتمرات حزبية أخرى من اجل تأبيد زعامة حزبية ما تحت مسوغات عدة، أصطفى الكي نفسه بكل ما ل»انتهازيته» من معان كي يقدم المثل ويكون أول الفرسان المترجلين في حياتهم عن صهوة جياد تروم الانعتاق، تروم التحرر صوب المستقبل بأنفس جديدة وطاقات شبابية عصية عن أمراض الماضي وأدرانه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا