أثـــر الفـــراشة السوداء

أعرف أنّكم تحبون الفراشات كثيرا، ولكن ما أقوله ليس ضدها، فقط اخترتها لأني أجدها مثيرة للدهشة أحيانا، اخترت هذا الكائن لأسميه الاكتئاب..

ولأني تصالحت معه سميّته الفراشة، وأضفت بعد ذلك «السوداء «، لتصبح الفراشة السوداء، تلك التي حطّت عليّ بقوّة على حين غرّة، وبقيت أتغاضى وجعها يوما بعد يوم حتى خُنقت أنفاسي، فخفت الموت وذهبت إلى الطبيب، فأخبرني أنّ أخذ الدواء حتى أشفى من أثر الفراشة السوداء، أذكر أنّي استغربت كثيرا من كلامه، وثرت عليه دفعة واحدة، وقلت له أنّ الفراشة هي التي يجب أن تأخذ دواء ولست أنا، فأنا بخير.. دائما بخير!! أقول هذا وبالكاد عرفت أنّ في داخلي خواء عميق، تعثّرت به فجأة وبقوّة، وكانت حكايات كورونا وكل العالم الجديد الذي حملته معها، القطرة التي أفاضت الكأس، كأس عوالمي دفعة واحدة..
الغريب في الفراشة السوداء، أنها لازمتني دون أن أراها، فسوادها لم يكن مختلفا عن كل ذلك السواد الذي كنت أراه.. وهذا مخيف كثيرا، أن تنصهر كل الألوان في سواد داكن.. أو ثقب داكن.. أو طاقة داكنة.. أن تدخل في عالم داكن ولا تفارق غرفتك المظلمة بل وتحملها في رأسك أينما ذهبت، ولا تدرك ذلك أصلا..
لا تلتقط أذناي غير الضجيج، وكنت أغضب كثيرا لكل الأصوات التي تصدح في أذني وتطرق رأسي من الداخل.. أصوات العالم الخارجي تعذّبني.. يغضبني كل شيء.. يرهقني كل شيء، يضايقني كل شيء.. وأهوّل كل شيء.. كنت في دوامة لعينة لا تتوقف نحو القاع.. نحو الأسفل.. ليست لي رغبة في الأكل أبدا.. لا أشتهي الطعام أصلا.. صرت أنحل شيئا فشيئا، فقدت ربع وزني.. تنتابني حالات من الإغماء والدوار.. آلام في معدتي ومفاصلي .. وكل يوم أقول سأذهب إلى الطبيب إذا استمر الأمر على ما هو عليه.. واستمرّ الأمر ولم أذهب إلى الطبيب.. إلى أن أصبحت لا أقوى عن العمل بتاتا.. أصبح جسمي غريبا غني.. لم يرضخ لمحاولات العلاج.. تمرّد هذا الجسم وأوقفني كي أرتّب نفسي من جديد.. لما أيقنت أني مصابة بالاكتئاب، عرفت أنّ الأصوات التي تزعجني ليست في الخارج إنما في داخلي..
قد يكون من الطبيعي جدا أن نصطدم بحوادث الحياة، مهما كانت شدّتها، كأن تفقد عزيرا، أو تخسر مالا أو وظيفة وغيرها، ولكن من غير الطبيعي أن نتوقف عند كل حزن أو ألم وتستغرق فيه أكثر من وقته..وكأنّ العالم انتهى.. فقط لو أنصت لحكاياتنا وأقدارنا سندرك جيدا أنّ العالم لا ينتهي أبدا، إنما يولد عند كل جزء من طرفة.. من طرفة.. من طرفة عين..
أصبحت أدرك جيّدا أنّ للمشاعر الداكنة، التي تتمدد في الزمن وتأكله وتصهر الأيام مع بعضها البعض، هي نفسها رائحة الفراشة السوداء عندما ترفرف بجناحيها، صرت أتهيأ لها، وأعدّ لها العدّة حتى لا تسحبني إلى ماء وراء الثقوب السوداء.. فسرعتك بمعرفة أثر الفراشة تحدّد سرعتك بالتحكّم فيه والسيطرة عليه ومعرفة كل ألاعيبه في الإيقاع بك.. فالاكتئاب لا يشفي نفسه بنفسه.. والفراشة تتحوّل إلى تنين ينفث الألم في أحشائك إذا تغاضيت عن أثرها يوما بعد يوم أو رفضته، عندها ستكون هائما بلا هدف تنظر إلى الأسفل وتبحث عن شيء لا تعرفه فتجد الحجارة وتحملها معك ولا تدري أنّك تحمل أثقالا ليست أثقالك في كثير من الأحيان، أو هي أثقال أنت من صنعتها و كبلت بها نفسك..
الفراشة السوداء ليست أنت وغير موجودة داخلك، تأتي محلّقة من بعيد وبالكاد تُرى، وتتحوّل إلى تنين إن تركتها تقترب واستسلمت لها، لتذهب من جديد وتغيب، لتعود مرّة أخرى.. وعندما ترحل تستجمع أنفاسك وتستمع بالحياة كفرصة لا تقدّر بثمن..
سمّى ونستون تشرشل الاكتئاب بالكلب الأسود، وكان كلما زاره يقول: جاء الكلب الأسود، ولا يقول أنا مكتب أبدا، ولا يعرّف نفسه بالمشاعر التي يحملها داخله عندما يأتي الكلب الأسود، وهذه خطوة مهمّة لتفتيت الحجارة، وإذابة جليد الروح..
ربما عندما تتصالح مع كل هذا، ستعرف أنّك كنت تحمل أكياسا ثقيلة على كتفيك تمنعك من الحركة، تمنعك من المواصلة، تمنعك من الحياة والاختيار.. عندها ستتساءل، هل أستحقّ كل هذا العذاب؟ لتقول بكل قوّة في الخلاص، أبدا لا أستحق غير الحياة.. والفراشة السوداء تحلّق مع أسراب الفراشات الملونة.. هي فسيفساء أنفسنا..
محظوظون من لا يملكون فرشات سوداء أو قطط سوداء أو كلاب سوداء.. هؤلاء خارقون للعادة فقلوبهم من حديد، قاسية كالرخام وفي غالب الأحياء هم أنفسهم يحرقون الفراشات بنار أحكامهم وجهلهم.. ورغم ذلك أتفّهم جهلهم لأنّي كنت هكذا يوما من الأيام..
قد تبتعد عنك الفراشة السوداء كلما سامحت أكثر وتسامحت أكثر، كلما تصالحت مع غرفتك المظلمة، كلما تصالحت مع ما يُغضب الإيجو EGO، ويقلقه ويهزّ كبريائه وعليائه، كلما تحرّرت من مثاليتك المفرطة، ورغبتك في السيطرة على حياتك.. فجماح الحياة أقوى من جماح عقلك..
ومشاعر الرحمة داخلك أحقّ من مشاعر المرارة، أن نتعلّم التسامح مع أنفسنا ومع الآخرين هو بداية الشفاء..
ربما نحن البشر نخلق الفوضى من حولنا، ربما نجدها متراكمة هنا وهناك، فلابس بالفوضى لأنها تلد النظام من كنهها، وهذا ممتع حقا إذا تصالحت معه.. فلا نظام يستمر ولا فوضى كذلك.. فالحياة تخلق من العدم، وهذا مذهل في حدّ ذاته..
ربما من أصعب الأمور التي يمرّ بها أصدقاء الفراشات السوداء أنّ عقولهم تحارب ضدهم، وتسعى لإقناعهم أنّ المستنقعات آمنة، وأنها لا تشكّل خطرا على حياتهم وسلامتهم.. وأنّك إنسان مرفوض أو ضحية أو كل ما قد يفقدك ذاتك.. يجعلك عقلك تنظر من ثقب صغير داكن وترى نفسك كذلك.. ترى فشلك وتتغاضى عن نجاحاتك، حتى تشكّ أنّك كذلك وتفقد قيمتك بذاتك.. وهذا أمر مفزع حقا ومدمّر.. وهنا تتحوّل الفراشة إلى تنين أسود ينفث السموم.. قد لا تجعل عقلك يخبرك من أنت في هذه المرحلة، لأنه سينتقي ما قد يحطّمك..
أصلا قيمتك لذاتك ليست إلا وهما أنت من صنعته، وكلما نفخت فيها من روحك المحبّة كلما كانت فرصتك للخلاص من أثر الفراشة أسهل..
ربما تقنعك الفراشة أنّ العزلة هي الحل، وأنّ البشر أشرار بطبعهم وسيئون للغاية وعديمي الرحمة وكل الأحكام التي تستطيع أن تتفوّه بها، وربما تقنعك الفراشة أنّك ستنقل لهم حزنك، أو سيحكمون عليك ويجلدونك.. وفي الحقيقة أنت من تجلد ذاتك، فالفراشة السوداء لا تحبّ العائلة ولا الأصدقاء، تتغذى بالوحدة وتنتفخ بالعزلة والخمول وتفرح لهروبك من المناسبات والدعوات واللقاءات.. لذاك عناق عائلتك وأحبابك يسحب الفراشة خارجك ويدفعها للمغادرة، كلما دفعت نفسك للقاء الناس.. لا يهم أن تراهم بكابتك، بحزنك.. فمن يحبّك، يحبّك بفراشاتك وكل حيواناتك ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا