برج بابل: حدّث – مارادونا – قال.. غيفارا كرة القدم

لم يكن لاعب كرة قدم فحسب، إنه شيء آخر، من أي كوكب أتيت، يصيح معلق المباراة وقد فقد صوابه بالكامل جرّاء هدف خرافي سجله مارادونا في مونديال 1986.

لم يكن لاعبا متفردا يخترق أزمنة اللعبة، بل كان ظاهرة اجتماعية كليّة، موضوع سوسيولوجي يفتح أسئلة الديموقراطية والفوارق الاجتماعية، أسئلة الفرد والمجموعة، مخيال الناس ودياناتهم، هندسة المدن الرمزية والعلاقة بين الشمال والجنوب، عالم السياسة ورهاناته، جمهورية الفيفا وشبكات الاتجار بالمخدرات، صناعة المشهد ومجتمع الفرجة، ملعب البونبنيرا المُشتعل، نثرُ محمود درويش ونصوص إدواردو غاليانو، ثورات أمريكا اللاتينية وزعاماتها، عشق الضعفاء و اللعب من أجلهم، الخدعة والمعجزة. كل هذه التيمات وغيرها أعطت لمارادونا معنى أن يحصُل شخص أقرب إلى الأرض منه إلى السماء على فضائل الأنبياء والقديسين.

مارادونا ليس لا عب كرة قدم فقط، إنه اختزال للوجود البشري، مسار حياته كان خلاصة من المجد ومن النكوص. يستعير حركة القدم ليسخر من الذين يعتبرهم خارج المعنى. لقد جعل مدينة منكوبة مثل نابولي الإيطالية تستعيد بريقها وتجد لها موقعا ضمن مدن إيطاليا الأخرى التي ترى في هذه المدينة عنوانا للقرف الجنوبي. كان مارادونا يثأر للمدينة وكان بذلك يثأر من خصاصة كابدها ابن عامل الميناء هذا حين لم يكن لبيته سقف، وحين كانت له مع أفراد عائلته غرفة واحدة تأويهم.

الهندسة الرمزية لمدينة نابولي الإيطالية بصدد إعادة التشكل بفعل هذا الفتى المجنون، هذا الفتى الذي تطاول على عجوز تورينو ولم يكن ذي القدر الكافي لاحترام الكبار. كان وهو يهزم فرق مدينة ميلانو يعيد الاعتبار للفقراء، لأهل الجنوب الغرباء عن وطنهم. لقد كان يساريا في لعبه لا فقط لأنه يستعمل الساق اليسرى فقط، بل كان يساريا في عشقه للضعفاء والمحتاجين. فلم يكن اختياره اللعب في نادي بوكا جونيور سوى تأكيدا من جانبه أنه لا يلعب كرة القدم فحسب بل يفكر بها، تضيء له الأشياء أمامه.

لقد أدركت مدينة نابولي الإيطالية عبقرية هذا الفتى منذ حلوله بالمدينة. قالت له خلّصنا من القرف الذي نعاني من رُعبهُ. ضعنا في مصاف الذين يذوقون طعم الاعتراف. فتحت له نابولي قلبها، وأدخلته مجازا كل بيوتها وساوته بأوليائها الصالحين. قليلون هم الذين لا تستطيع التفريق بينهم وبين المدن التي حلّوا بها، الأنبياء والزعماء هم وحدهم الذين يقدرون على هذا الفعل اللّدُني، ومارادونا كان أحدهم. المفارقة أن أفقر مدينة في إيطاليا تستدعي أغنى لاعب في العالم. تشمت بها المدن الأخرى، وعند حلول مناصري النادي في أي مدينة من مدن إيطاليا، كانوا يُنعتون بأكثر النعوت إساءة. نابولي مرحاض إيطاليا، نابولي الكوليرا والعفن. يحدث هذا على مرأى ومسمع من مارادونا، يشعر بالقرف من هذا الوصم، ويزداد تعلقه بالضعفاء وبهذا الجزء المنبوذ من إيطاليا. وتتحرّك قدمُه ثأرا للمدينة المنكوبة، ويستمرّ في إظهار مهاراته أمام فرق الشمال الإيطالي وقوده في ذلك إصرار على جعل الجميع يعترفون بالمدينة.

لم تبق لنابولي سوى شذرات ذاكرة منكوبة، الملعب لم يعُد هو الملعب، والشغف لم يعُد هو الشغف. رجعت المدينة إلى مصيرها وإلى صورتها الأولى. غاب عنها الوصم حين كان مارادونا يصنع لوحده المشهد، وحين يقودها إلى نوع من الثأر الرمزي جعل من مدينة نابولي محجّة كل عشاق اللعبة. لم يعُد في مقدور المدينة الآن سوى أن تأتي بمارادونا عنوانا لملعبها، عمدة المدينة قرّر ذلك. سبع سنوات قضاها مارادونا في هذه المدينة غيّر بالكامل هندستها الرمزية وجعلت الأحياء فيها يكتبون على مقابر المدينة حين حصل النادي على بطولة الموسم «أيها الأموات، لقد فاتتكم أشياء عديدة..».
مارادونا خُلاصة تجربة إنسانية غير معهودة. كرة القدم لديه أسلوب لعب وأسلوب حياة وطريقة تفكير. ولهذا إذا لم تكن كرة القدم كل المجتمع، فإن المجتمع مُختزل بأكمله في كرة القدم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا