المركزي والجهوي: معضلة التنمية الشائكة

من الصعب التفكير في منوال تنموي خارج العلاقة الشائكة بين المركزي والجهوي. لا تعني العلاقة الشائكة هيمنة طرف على آخر،

بمعنى هيمنة المركزي على الجهوي فقط مثلما هو حاصل منذ عقود، بل تعني أيضا عدم قدرة هذا الأخير، أي المستوى الجهوي، على تصور نفسه خارج دائرة ما هو مركزي. وهذا يكشف عن أن الجهوي يريد إدامة العلاقة على النحو التي تشكلت به منذ عقود. ولكن يحدث في مرات عديدة أن يتصرف الجهوي بعيدا عن المركزي في تحدّ مشهدي مثلما حدث في واحات جمنة ومثلما حدث في الكامور أيضا. ولكن يبقى فعل الجهوي محدودا في احتجاجات متواصلة قد تصل إلى مستوى الأحداث الكبرى.
نتحدث عن المركزي وعن الجهوي كثقافة لإدارة الشأن العام ونتحدث عنهما كفاعلين تربط بينهما علاقات متعددة الأبعاد، وتكشف العلاقة بينهما عن تبادل للمصالح وللمنافع، فلا معنى لإدارة مركزية دون أن تجد لها تجسيدا على المستوى الجهوي. ومع هذا كلّه بقيت العلاقة عنوانا لتعطل التنمية وإدامة لمستوى جهوي لا يستطيع أن يتحرك باستقلالية وبإرادة ذاتية. تأتيه الأوامر والتعليمات والمشاريع والنصوص الترتيبية وعليه في أقصى الحالات أن يجيد تمريرها أو أن ينجح في إثارة أقل ما يمكن من المشكلات.

لا يمثل الوالي وهو أعلى سلطة على المستوى الجهوي إلا من عيّنه من المركز أي رئيس الجمهورية ولهذا فهو مطالب بتأدية اليمين الدستورية أمامه. لا يمثّل الوالي بأي صفة الجهة التي يُسمى عليها. يأتي من المركز حاملا مشروعا، وهذا ما يُفترض أن يكون، دون أن يكون لمواطني الجهة رأي في ذلك. هناك الصورة التي تتكرر دائما في أذهان الجميع وهي أن الوالي عبر سلطته الإدارية والسياسية هو المركز الذي حلّ بالمكان وهو ما عاشته تونس منذ الاستقلال إلى حدود 2011. بعدها تغيرت الصورة ولم يتغير المضمون، التعيين يأتي دوما من المركز والاختلاف هذه المرة هو أن هذا المركز ضعيف لا غير.
ليس من السهل تغيير منظومة إدارية سياسية في وقت ضيق. وليس في المنظور القريب إزالة ما مكث في أذهان الناس من ثقافة المركزي على حساب الجهوي لآن الثقافة السياسية التي سادت طويلا أن الخلاص عند الزعيم الفرد، هذا الأخير يستولي على كل السلطات المركزية، بل هو تجسيد لقوة الدولة وعنفوانها. الحلّ لا يأتي إلا من هناك، المشاريع والتمويلات والتعيينات ولذلك لا يتوانى الخطاب السياسي المركزي عن التذكير دوما بإنجازاته وانتصاراته، ولكنها كانت منقوصة، فالخلل التنموي الجهوي كان و لا يزال واضحا، وهو ما عمّق أزمة العلاقة بين الطرفين.
تتمرّد الجهات على المركز، ويحدث هذا من زمان، من أجل الجباية ومن أجل أشياء أخرى، يقع قمع التمرّد وتعود الأمور إلى سالف نشاطها. ولكن شيئا لم يتغير في هذه العلاقة المأزومة. إلا أن حدثين أعطيا منعرجا لهذه العلاقة، أحداث واحات جمنة و أحداث الكامور, في ما يتعلق بواحات جمنة أثبت المحلي و الجهوي أنهما ليسا عنوانا للتمرد الاحتجاجي فقط، بل أنهما قوة اقتراح و قوة إنجاز و ابتكار خارج دوائر السلطة المركزية و بعيدا عن اقتراحاتها ومشاريعها و تمويلاتها. لقد أعطت مبادرة واحات جمنة الفرصة للجهوي كي يثبت قدراته وكي يدعم ثقافة الاستقلالية عن المركزي ليقع إنتاج خطاب سياسي جديد لا نجد فيه للمرة الأولى مقولات تحتفي بالمركزي وهو يوزع الغنائم على الجهات.
ما وقع في واحات جمنة وفي الكامور هو زعزعة مقولات عاشت معنا منذ الاستقلال وقبله أيضا. وكان من الصعب أن نتخيل المركزي يتنازل ويقبل بالقواعد الجديدة للعبة. هيبة الدولة التي يتحدث عنها الجميع ليست سوى هيبة المركزي الذي يهيمن على كل المفاصل. وبالطريقة التي يتناول بها بعض المحللين مقولة هيبة الدولة فإنهم يدفعون بذلك إلى تأكيد أن الدولة هي المركز وهذا خلل في الفهم وخلط يؤكد أن التنمية مبنية على تصوّر يأتي من فوق دون مشاركة فعلية للجهات في تصور هذه التنمية وفي كيفية إنجازها.
قد تكون الاحتجاجات التي أخذت منحى جديدا وهو منحى غلق المنابع أو قطع التمويل مزعجة جدا لهيبة الدولة و قد تكون استجابة الدولة لهذه المطالب فيها الكثير من عمليات شراء السلم الاجتماعي و لكن في كل الأحوال نحن أمام وضع يجب التفكير فيه جيدا من ناحية العلاقة بين المستوى المركزي و المستوى الجهوي والتي بقيت المعضلة الكبرى أمام أي فعل تنموي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا