حيرة المريض بين المستشفى «المتواضع» والمصحات الباهضة: قصور (أو غياب) منظومة التأمين على المرض في تونس

بقلم: د. عبد المجيد المسلمي
(عضو بحركة تحيا تونس)
عندما يواجه المواطن التونسي آفة المرض فإنه يجد نفسه في مواجهة ضائقة كبيرة و صعوبات جمة مثلما كشفت عنه و عرته جائحة الكوفيد 19.

فهو إن اتجه للمستشفى العمومي فمن الاكيد أنه سيجد أطباء و ممرضين أكفاء. ولكنه لن يكون لا سعيدا و لا راضيا بالظروف الصعبة للإقامة و الإستقبال نظرا للإكتظاظ و تواضع المعاملة و نقص الإمكانيات. و هو إن اختار التوجه إلى المصحات الخاصة فسيجد الظروف الجيدة سواء من حيث العلاج أو الإقامة. ولكنه سيكون مجبرا على دفع فاتورة باهظة لن يقدر على دفعها أو قد تجعله مدينا لفترة طويلة.

و يكمن الخلل الجوهري في قصور أو بالأحرى في غياب منظومة التامين على المرض في بلادنا. فالتأمين على المرض ( مثل التأمينات على الحياة أو الممتلكات) يتمثل في أن المنخرط يدفع لمؤسسة التأمين بصورة منتظمة كنوع من الادخار. و عندما يصيبه المرض يعالج في المستشفى العمومي أو المصحة الخاصة ( حسب بنود الاتفاقية) و تتكفل مؤسسة التأمين بدفع مقابل العلاج عوض الدفع من جيبه أو الاضطرار للإقتراض. و لكن للأسف فإن هذا النوع من التأمين الصحي مفقود او يكاد في بلادنا و هو ما يمثل نقيصة هامة مثلما اظهرته الصعوبات التي واجهها بعض المواطنين الذي اصيبوا بمرض الكوفيد 19.
و للاسف فقد عجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض «الكنام» الذي أنشأ سنة 2008 في الإضطلاع بهذه المهمة.

ديكتاتورية «الكنام» على المواطن: ادفع و اصمت
تتكون منظومة التأمين على المرض في تونس أساسا من الصندوق الوطني للتأمين على المرض « الكنام» و هي مؤسسة عمومية تحت إشراف وزارة الشؤون الإجتماعية. أما مؤسسات التأمينات الخاصة على المرض فإن مساهمتها قد لا تتجاوز 10 ٪.
فكل مواطن تونسي يشتغل في القطاع الخاص او القطاع العام و كل المنضويين في منظومة الأعمال الحرة مجبرون بالقانون على الإنخراط بالكنام و دفع 6,75 ٪ من اجورهم للصندوق (بحكم انخراطهم الإجباري في الصندوق الوطني للحيطة الإجتماعية بالنسبة لأعوان الدولة وانخراطهم الوجوبي بالصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بالنسبة للقطاع الخاص). وحدهم المحامون دون غيرهم من التونسيين غير مجبرين على الإنخراط بمنظومة الضمان الإجتماعي بعدما رفضوا «تلك الديكتاتورية» منذ التسعينات.

و يمكن القول أن هنالك حوالي مليونين و نصف تونسي منخرطون بالكنام يوفرون ما يقارب 2500 مليار سنويا للصندوق. و يتكفل الكنام بالمنخرطين وعائلاتهم أي ما يمثل حوالي 8 ملايين تونسي.
من المؤكد أن القليل من التونسيين يعرفون بنود اتفاقية التأمين على المرض بينهم و بين «الكنام» . كما لا يستشيرهم أحد لا في زيادة الإشتراكات أو نوعية المنافع أو الإمتيازات. فهي علاقة عمودية استبدادية بين إدارة الصندوق وسلطة الإشراف من جهة و بين المنخرطين من جهة أخرى رغم أنهم نظريا هم من يدفعون أجور موظفي الصندوق من اشتراكاتهم.
عمليا فإن «الكنام» يوفر للمنخرطين بجميع أصنافهم العلاج في المستشفيات العمومية في كل الامراض و في كل الحالات. و لكنها بالمقابل لا يتكفل إلا بنزر قليل قد لا يتجاوز نسبة 20 بالمائة عند العلاج بالقطاع الخاص سواء تعلق الامر بأتعاب الأطباء أو الأدوية أو الإقامة بالمصحات.
وفي ما يخص وباء الكوفيد فإن «الكنام» لا تتكفل به في القطاع الخاص و المضمون الإجتماعي مجبور في هذه الحالة على العلاج بالمستشفى. اما إذا عالج في القطاع الخاص فإنه مجبر على دفع نفقات المصحة الخاصة من جيبه. و قد اقترح عديد الاطباء والمواطنين تكفل «الكنام» بعلاج مرض كوفيد في المصحات الخاصة و لكنها صمت أذنيها.

• تحرير التأمين على المرض : من بيروقراطية الدولة إلى التسيير الذاتي
يبدو «الكنام» بالنسبة لغالبية لتونسيين كمؤسسة بيروقراطية تابعة للدولة تفرض الإنخراط فرضا على المواطنين و كأنها ضريبة ( 6,75 بالمائة من الاجر) و تحدد لهم بطريقة فوقية مبالغ الإشتراكات و نوعية المنافع والخدمات المتكفل بها. بالمقابل فإنها توفر لهم أساسا العلاج بالمستشفى العمومي و «فتات» من استرجاع المصاريف بالقطاع الخاص في عدد محدود من الأمراض.

و نعتبر أن «الكنام» لن يتطور في المستقبل المنظور ليصبح مؤسسة تأمين حقيقية على المرض وإنما ستيبقى صندوق عمومي اجتماعي موارده محدودة و منافعه محدودة بالعلاج في القطاع الصحي العمومي.
ما يطمح له التونسيون هو مؤسسة تأمين عامة أو خاصة أو مشتركة تعاملهم كمواطنين كاملي الحقوق تتفاوض معهم على معاليم الإشتراك وتحدد معهم الخدمات و الإمتيازات التي يتمتعون بها للعلاج بالقطاع العام أو الخاص حسب مبلغ الإشتراك و يقع تحيين تلك الإتفاقيات بصورة دورية.
ويمكن للمواطن ان يغير شركة تأمينه إذا لم تعجبه الخدمات المقدمة او يجد أسعارا و خدمات تفاضلية أو حتى عندما يتغير وضعه الإجتماعي (تحسن مقدرة شرائية..زواج.). و قد تمثل تجربة المحامين نموذجا لنوع التأمين الصحي المسير ذاتيا. فبعد تخلصهم من ديكتاتورية صندوق الضمان الإجتماعي أسس المحامون صندوقهم الخاص الذي يسيرونه بأنفسهم وتحت رقابتهم بأكثر شفافية و قرب من المنخرطين.

و يمكن للمهن الصحية والمهن الإعلامية والقضاة و غيرهم إنشاء مؤسسات التامين الخاصةبهم لتكون مؤسسات تضامنية و تعاضدية و مسيرة ذاتيا بعيدا عن سيطرة بيروقراطية الدولة. فالتأمين على المرض و التأمين بصورة مستقلة علاوة على تطويره للصحة العامة فإنه يمثل رافعة للنمو بما يوفره من ادخار داخلي تستفيد منه جميع الأطراف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا