الأمهات العازبات وثقافة تسطيح القضايا

يُقال لا تجعلوا من الحمقى مشاهير، ولكن من حقّ الحمقى أن يكونوا مشاهير، ومن حقّ هؤلاء أن يعبروا عن أرائهم بكل حرية، فبأي حقّ لا يعبّر أيّ كان عن أرائه ومواقفه؟

ولكن من هو الأحمق؟ قد يكون ذلك الذي سمّاه المفكر والفيلسوف الكندي في جامعة الكيباك ألان دونو Alain Deneault، بالتافه في كلّ «نظام التفاهة» La médiocratie وهو اسم مؤلفه، حيث لا مكان ولا مجال إلا لتسطيح القضايا، وردم كل نقاش فكري بين غوغاء الجماهير.. فالتافهون هم من يتسيّدون المواقف أو يتصيّدونها، ويقودون المجتمعات نحو هاوية السطحية وقاع الضحالة وفراغ اللامعنى..
رأينا هذا في التعاطي مع قضية الأمهات العازبات والتي قدّمت لنا إحدى المؤثرات مؤخرا درسا أخلاقويا حول هذه القضية، وتناولت المسألة بمنظور ذكوري وفضائحي يستند على ثقافة البوز واستقطاب أكثر عدد ممكن من المتابعين والمتفرجين في غياب لتناول الموضوع بمنظور علمي وقانوني وحقوقي وإنساني..وكنتيجة لهذا تُغيّب القضية الأصلية وتُردم تحت منظور الحلال والحرام والأحكام، لتُعرّض المرأة لمزيد من العنف الاجتماعي والنفسي والجسدي مدمر وما يجعل المرأة أيضا في مرمى الجماعات الراديكالية التي تحطّ من قيمتها ومن مواطنتها من خلال تسويق خطاب منحط يستند إلى حرية التعبير، خطاب لا يستطيع إلا أن يغذّي النظرة الدونية للمرأة التي يجعلنا في مرمى القهر والإدانة والتحقير في مجتمع ينظر بازدراء وريبة وقسوة إلى النساء الأرامل والمطلقات وغير المتزوجات، فما بالكم بالأمهات العازبات»؟
المشرّع التونسي اليوم يتحدّث عن جانب من حقوق الطفل خارج إطار الزواج، ولا يعترف للأم العزباء بأية حقوق لعدم قيام علاقة قانونية ملزمة بينها وبين والد الطفل، ومع أنّ القانون يسمح للأمّهات غير المتزوّجات بإجراء بحث أبوّة، باللجوء إلى فحص الحمض النوويّ عند الضرورة، غير أنّ المشرّع التونسي يحرم الأطفال المولودين خارج إطار الزواج من حقّهم في الإرث..
قضية الأمهات العازبات لا يتمّ تناولها إلا بشكل فضائحي أو ذكوري، أو سياسي محافظ يناهض أي تشريع يمنح المرأة حق الإنجاب خارج إطار الزواج ويوفر لها مساعدة قانونية واجتماعية، في طرح يعتبر تقنين الإنجاب خارج إطار الزواج تشجيعا على «الفاحشة والرذيلة»، مع أنّ الأمر يُناقش من منطلق حقوق الإنسان لا غير، ومن مبدأ تقليص تداعياته على الأم وطفلها بتأطير هذه الشريحة قانونيا وإسنادهم إجتماعيا.
قد لا تمكن محاربة ثقافة التسطيح دون إحداث تغيير حقيقي في واقع منظومة التربية والتعليم والثقافة، فتسطيح القضايا أصبح اختصاصا للمؤثرين الذي يسوقون للانغلاق والتشدّد والابتذال لا غير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا