كواليس النات: ما حقيقة تطبيقة «تليغرام» المٌشفّرة ؟

أعادت العمليات الإرهابية الدموية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة مسألة منصات التواصل الاجتماعي في واجهة النقاش العام داخل العديد

من الاوساط الفرنسية حول مدى تورط السوشيال ميديا في التسويق للارهاب خاصة بعد ان تأكد ان التحريض على ارتكاب هذه الجرائم انطلق بتغريدات على التويتر وتدوينات فايسبوكية في استنساخ لسيناريو سنة 2015 حيث لعبت تطبيقة التراسل الفوري المشفرة «تليغرام» Telegram دورا مركزيا في الضربات الإرهابية التي عرفتها فرنسا انذاك...
ومن الخطإ الاعتقاد بأن «التويتر» و«الفايسبوك» تشكلان الحاضنة الافتراضية الحصرية للتكفيريين باعتبار ان هناك تطبيقات تواصلية أخرى غير معروفة بالقدر الكافي توفر مساحات آمنة للتواصل بين مختلف الأفراد والهيئات والمجاميع الارهابية على غرار تطبيقية «التليغرام» الروسية التي تٌعدّ وفق العديد من المقالات الصحفية الفرنسية جنة الإسلاميين المتشددين بامتياز حيث تحرسهم ملائكة التشفير «التلغرامية» من مغبة الكشف والملاحقة ...
لنتبين معا مدى دقة الرواية الفرنسية !

1 - تطبيقة «التليغرام» ؟
«التليغرام» تطبيقة مجانية متخصصة في التراسل الفوري Messagerie instantané مثلها مثل تطبيقات «الماسنجر» و»الواتساب» الفايسبوكية .. تم إطلاق نسختها الأولى سنة 2013 على يد الأخوة « نيكولاي وبافل دروف الروسيان وهما مؤسسي موقع VK التي تعتبر أكبر شبكة اجتماعية روسية، ويعتبر تيليجرام شركة مستقلة لا علاقة لها بروسيا أو بشبكة VK « التي استحوذت عليها فيما بعد شركة روسية مقربة من الأوساط الحاكمة في الكرملين.
تم تصميم التطبيقة بهدف التخلص من المراقبة المفروضة من السلطات الروسية على البيانات الشخصية المتداولة في الفضاء الافتراضى .. وقد نجحت في غضون اقل من سبع سنوات في استقطاب أكثر من 400 مليون مستخدم موزعين على العديد من المناطق في العالم والرقم مرشح للزيادة بنسق سريع.
يقع مقرها الاجتماعي في مدينة « دبي» الإماراتية بعد أن أمضت بضع السنوات في العاصمة الألمانية «برلين» .. ويتم تطوير التطبيقة انطلاقا من مدينة «سان بترسبورغ» حيث تعد البيئة المثالية في روسيا في مجال البرمجيات والرياضيات بما تزخر به المدينة بالعديد من المؤسسات الاكاديمية المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات والهندسة والرياضيات . اكتسبت صيت واسع بسبب تركيزها على حماية خصوصيات الأفراد والمؤسسات حيث « بإمكان مستخدمي تيليجرام تبادل الرسائل بأمان مع إمكانات التشفير العالية بما في ذلك الصور والفيديو والوثائق من أي نوع».
يتوفر «تيليغرام» رسمياً على مختلف أنظمة التشغيل مثل أندرويد وiOS ولينيكس بما في ذلك الهواتف والأجهزة اللوحية وصفحات الواب بما يسمح للمستخدم استعماله على مختلف الأجهزة والمنصات في نفس الوقت.
ومن المميزات الهيكلية والقانونية «للتيلغرام» مقارنة بباقى برمجيات التراسل الفورى المتداولة « انه مشروع غير تجاري ولا يجني دخلا ماليا ولا يستعمل الدعايات ولا رسوم اشتراكات ولا يقبل الاستثمارات الخارجية، وهو ليس للبيع...»، مجموعة من الخصائص أسهمت إلى حد بعيد في تأمين استقلالية التطبيقة عن العديد من مراكز النفوذ في العالم.

2 - التيليغرام Vs الواتساب ؟
من بين المزايا التفاعلية «للتليغرام» نذكر على وجه الخصوص :
- على خلاف باقى التطبيقات المنافسة لاسيما «الواتساب» تتفوق «التيلغرام» عنها جميعا بكونها تتمتع بدرجة عالية من التشفير حيث «قام نيكولاي بمشاركة فريق مكون من ستة مختصين يحمل ثلاثة منهم درجة الدكتوراه في الرياضيات والتشفير بتصميم بروتوكول جديد خاص للتطبيق يحمل اسم MTProto ، وقد استغرق تصميم هذا البروتوكول مدة عام». ومن باب التحدى قام نفس الفريق بطرح مسابقة علنية لكل من يتمكن من كسر تشفير الرسائل أو الحماية الخاصة بالتطبيق مقابل الحصول على مبلغ 300.000 ألف دولار.
كما تضمنت التطبيقة المزيد من الخصوصية «عن طريق الدردشات السرية الموجودة ضمن تيليجرام ذاتية التدمير، بما فيها من محادثات وصور وفيديو، ولا يمكن لأي أحد قراءة هذه الرسائل سوى المستخدم والمستقبل فقط عبر تبادل مفاتيح التشفير ... وعندما يقوم المستخدم بحذف الرسائل لديه يقوم التطبيق بحذفها أيضاً لدى المستقبل، ويمكن تحديد مدة زمينة لتدمير الرسائل المرسلة والصور والفيديو بعد قراءتها من قبل المستلم أو بعد فتحها لتختفي بعدها الرسائل من كلا الجهازين لدى المستخدم ولدى المستقبل».
- تتميز تطبيقية «التيليغرام» أيضا بواجهة مريحة للاستخدام تمكن من تحقيق انسيابية عالية عند التراسل او إجراء مكالمات عبر الفيديو إلى جانب احتوائها على ميزة «القنوات» و»المجموعات» المختلفة الأحجام من خلالها تبث الرسائل لعدد كبير غير محدود من المشاركين خلافا لعدد من التطبيقات الأخرى المنافسة المحدودة في العدد.. كما تسمح التطبيقية باستخدام واسع لمشاركة الصور فيما بين المستخدمين يفوق تطبيقة «الانستغرام» الفايسبوكية المصممة للغرض، وتتضمن أيضا على محرّك بحث خاص بالصور المتحركة.
-تسمح تطبيقة «التليغرام» بإرسال ملفات (صور وفيديوهات ورسائل صوتية الخ) ذات حجم كبير بما يعادل 1,5 جيغابايت للملف الواحد في حين ان تطبيق الواتساب لا يسمح الا في حدود مئة ميغابايت للملف الواحد مع اقتصاره على أنواع محددة من الملفات دون غيرها.

3 - قصة المستفيدين من التطبيقة...
عندما تمعن الصحافة والقنوات التلفزية الفرنسية في تقديم تطبيقة «التيليغرام» على انها المنصة التواصلية للإرهابيين بامتياز تكون قد جانبت كثيرا الحقيقة .. فالدراسات والبحوث حول الموضوع تؤكد بأن لهذه المجاميع المتشددة القدرة البشرية والمالية الكافية لتصميم منصتها التواصلية الخاصة بها التي قد تكون تشتغل الآن دون ان ندرى...
فإذا كانت المجاميع الإرهابية قد استخدمت في مناسبتين على الاقل هذه التطبيقة (الأولى في باريس 2015 والثانية في مالى وكوت ديفوار) فإن الشخصيات السياسية الفرنسية وقادة الرأى كلاهما يستخدمان بشكل مكثف هذه التطبيقة لتأمين تراسل سري فيما بينهم أثناء الحملات الانتخابية او غيرها من السياقات الاستثنائية..فالرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» والسياسي المخضرم «اريك ميلونشون» وغيرهما من القادة يستخدمون على نطاق واسع التيليغرام ...
أثناء موجة الاحتجاجات الكبرى التي عرفتها إيران السنوات الأخيرة تم استخدم الالاف من الإيرانيين المعارضين لسياسات الحكومة «التيليغرام» للتواصل فيما بينهم والدعوة إلى التجمهر والتظاهر في مناطق عدة من المدن الإيرانية مما حدا بالسلطات الإيرانية على إغلاقه سنة 2018.. نفس الملاحظة تم رصدها في عدد من الدول التي عرفت بتضييقها الشديد للحريات .. للعلم فإن عدد مستخدمى «التليغرام» في إيران يبلغ 40 مليون اى ما يناهز نصف عدد سكان إيران .
في كولومبيا وبالتحديد في قلب «كارتلات تجارة الأفيون» تم رصد استخدام متزايد لتطبيقة «التليغرام» عند إرسال شحنات الكوكايين إلى الأراضى المكسيكية.. كما ان التسريبات المدوية للعميل السابق لوكالة الأمن القومى «إدوارد سنودن» التي كشفت عن عمليات مراقبة ممنهجة وغير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم تم تامين إرسالها عبر التليغرام وغيرها من التطبيقات المشفرة.
من المرجح اليوم ، أن الكوفيد- 19 وما رافقه من استتباعات تسيء لخصوصيات الأفراد مما سيدفع بمستخدمى «الواتساب» في المنظور القريب الى الهجرة إلى عوالم «التليغرام» المثيرة والمشفرة ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا