لعبة الذبح و فصل الرأس عن الجسد

بقلم: محمد صالح مجيد
استفظع التونسيون-على اختلاف أهوائهم- عملية اغتيال الصحفي « عدنان الخاشقجي» واعتبروها عملا وحشيّا يستوجب معاقبة

كلّ من خطّط لها ونفّذها ، وأمّن لها غطاءً سياسّيا وإعلاميّا.... وقد يأتي هذا الاستفظاع على خلفيّة غلبة النزعة السلميّة على أغلب التونسيين في تجاوز جلّ الخلافات التي لا تخرج عن السّباب ،أو العنف الذي قد لا ينجرّ عنه الموت إلا في حالات قليلة مقارنة بدول أخرى !!!!
غير أنّ تاريخ العرب لا يبرّر كلّ هذا الاستفظاع.. لأنّ استنكار ذبح الصحفي السعودي أو الأستاذ الفرنسيّ، أظهر رَهْطًا من التونسيين وكأنّهم ينتمون إلى أمّةّ لم تعرف في تاريخها القتل الوحشي والتعذيب ولم يُرَقْ فيها دم مسلم ظلما وبهتانا !!!!...
إنّ صفحات مضرّجة بالدم من تاريخ العرب والمسلمين ، تثبت أنّنا بلا تجنّ سَافِر أو «مازوشيّة متأخّرة» أمّة لا تخلو كلّ مراحل نشأتها من مشاهد القتل المروّع ،والفتك والبطش !!!و إنّ تاريخ العرب والمسلمين حافل بما يكشف أنّ فصل الرأس عن الجسد ،والتنكيل بالجثث، من الأعمال التي تجد من يشرّعها،عبر تكييف النصّ القرآني، أو الحديث النبوي الموضوع، أو ما يعرف بالشّريعة لتبرير القتل الفظيع واعتباره عملا بطوليّا في خدمة الإسلام !!!. وعديدة هي مشاهد القتل الفظيع التي رافقتها أسانيد فقهيّة «جمّلت» البطش و»زيّنت» التنكيل حتّى في المساجد أكثر الأماكن قداسة عند المسلمين !!! .
لم يسلم الخلفاء الراشدون من القتل وتسليط سيف الغدر على رقابهم... مات «عمر بن الخطّاب» مقتولا على يد «فيروز أبي لؤلؤة المجوسيّ» وهو يستعدّ لصلاة الصبح في المسجد الذي يأتيه المسلم طاهرا بعد أن سلم الناس من يده ولسانه !!!..وقضى «الإخراج السياسي» لاغتيال الخليفة أن يكون القاتل مجوسيّا ينتحر بعد أداء دوره حتّى لا يعلق الإثم بمسلم !!!.وقد أطنبت كتب التاريخ في الإلحاح على أنّ القاتل مجوسيّ دون بحث عن القاتل الحقيقي المخطّط المتخفّي الذي حرّك»المجوسيّ» وجنّده لأداء هذا الدور.فهل قدّر على هذه الأمّة أن يكون القاتل دائما»نكرة» يُؤْتى به لتأدية دور قذر يتخفّى وراءه المستفيد !!!؟؟؟
«عثمان بن عفّان» نال نصيبه من حدّ السّيف وانتهى مقتولا ببشاعة إذ»ضربه بعضهم بحديدة، وبعضهم ضربه بمشقص، وطعنه آخر بتسع طعنات، وكسر الآخر ضلعًا من أضلاعه‏.‏ وأرادوا قطع رأسه» تمّ كلّ هذا و»الحسن» و»الحسيْن» يحرسان المنزل بأمر من والدهما عليّ !!!!!!
«عليّ بن أبي طالب» الذي لم ينجح هو وأبناؤه في حماية عثمان مات مقتولا .وتكفّل نكرة يدعى «عبد الرحمان بن ملجم «بلعب دور القاتل. هكذا كان مصير ثلاثة من الخلفاء الراشدين في أمّة ترفع شعار السلم والسلامة.

والأغرب أن «فصل الرأس عن الجسد» لم يكن جرما مستفظعا أو مرفوضا بل يبدو حكما عادلا مقبولا لا تأباه»الشريعة» !!!! فكثيرا ما يقع تبريره بشعار فضفاض « إعلاء كلمة الله والدفاع عن الدين وحماية الأمّة !!!!. ولذلك نرى كلّ المجرمين القتلة ،في الماضي والحاضر، يكبّرون ويذكرون الله وهم يرتكبون جرائمهم الفظيعة. ومثل هذا السلوك الوحشيّ والهمجيّ يعطي انطباعا بأنّ «الوحشيّة» مبرّرة « دينيّا. فعندما فصل «خالد بن الوليد» رأس «مالك بن نويرة « المسلم عن جسده، كانت الحجّة الدينيّة جاهزة لتبرير الجرم» منع الزكاة». ولم يجد خالد عنتا في إقناع قوم لا يرون في فصل الرأس عن الجسد عملا مروّعا يأباه الدين !!!!! ألم يكن التحفّظ على أموال «مالك بن نويرة»،وثرواته وتوظيفها لخدمة المسلمين أوجب من فصل رأسه عن جسده و والتنكيل به وأخذ زوجته سبيّة !!!؟؟؟ الأكيد أنّ الدولة الناشئة لم تكن بحاجة إلى قتل مسلم لتثبيت الزكاة ركنا من أركان الدين .... وحده التلذّذ بالقتل كان الدافع لضرب عنق مسلم بايع الرسول ،وآمن بالله !!!
وعندما أقدم الوالي «خالد بن عبد الله القسري» زمن حكم «هشام بن عبد الملك» على ذبح «الجعد بن درهم « يوم عيد أضحى بجانب المنبر لم يكن الرجل كافرا أو زنديقا.. كان كلّ ذنبه أنّه قال بخلق القرآن ،وأنكر أن يكون الله قد كلّم موسى مباشرة !!!!!!!!.
لقد ذُبِحَ «الجعد» وسط تكبير المسلمين وتشجيعهم وصياحهم دون أن يبدي واحد من المصلين اعتراضا ،أو استفظاعا ،ودون أن يتحرّك شيخ وقور لدفع الخطر عن الضحيّة المسكين. قتل لأن السّاسة الملتحفين بالدين قد حوّلوا فصل الرأس عن الجسد إلى «شريعة» !!!! و هذا ما يفسّر تواصل عمليّات التشفّي وإزهاق الأرواح بكلّ فظاظة في القرن الحادي والعشرين. وما تنفيذ جكم الإعدام في «صدّام حسين» يوم عيد والتأكّد من كسر عنقه بعد شنقه !!! وذبح أستاذ التاريخ في فرنسا إلا مشهدان جديدان من جرائم ثابتة ظلّت» متوارثة» عند رهط يدّعون أنّهم أكثر إسلاما من بقيّة المسلمين !!.
إنّ الحقيقة التي لا ينكرها إلا جهول أو متعامّ أنّ ماضينا كحاضرنا، لم يخل من «القتل المقدّس» و»التنكيل الشرعي»..وأنّنا لم نكن في كل مراحل التاريخ أمّة السّلم المظلومة التي لا يأتيها الباطل من خلفها وأمامها... لقد تناثر الدم على أوراق التاريخ ماضيا وحاضرا،وتطايرت رؤوس الأبرياء مخلّفة إثم دمائها على أثواب الفقهاء و الأئمة والساسة المنافقين .وكم كان «عبد الله بن الزبير « واعيا بحقيقة هؤلاء الذين يطلبون الدنيا تحت غطاء الدين، عندما قال لأصحابه وهو محاصر داخل الكعبة يواجه مصير فصل رأسه عن جسده « ّوالله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم».....

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا