في الاقتصاد والسياسة والمجتمع

بقلم: د. عز الدين الفرجاني
أستاذ تعليم عالي
• توطئة:
ميدان حياتيّ أساسي للفرد والمجتمع سواء أكان ذلك ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا. جملة من الأسئلة يثيرها هذا الموضوع :

ما معنى كلمة اقتصاد (عربيّا ولاتينيّا ؟)
ماذا تعني هذه الكلمة في تطوّر استعمالاتها عبر التاريخ بدءا من التموقع الجماعي في بلاد ما بين النّهرين ووصولا إلى ..العولمة اليوم؟ ما الذي مثّله الاقتصاد في الحضارات القديمة (أيّ دور؟ أيّ إشكال؟): الفراعنة وقرطاج مثلا ؟ وفي المجتمع الحديث : كيف تبلور علم الاقتصاد ؟
كيف كانت علاقة هذا الميدان من المعرفة النّظريّة مع الممارسة على أرض الميدان ؟ هناك محطّات هامّة : روسو ثمّ آدم سميث وكاينس، ثمّ ماركس ثم الليبراليّة المعاصرة. ما مستقبل العولمة أمام ممارسة الشّأن الاقتصاد السياسي تونس اليوم ؟
• إلى أين يسير مجتمعنا الإنساني؟
أفضل طريقة (منطلق) لتفحيص المواضيع تكمن أوّلا في اختيار الأسئلة. وكما تلاحظون فإنّ الموضوع شاسع : إذ يتناول جوانب نظريّة وعمليّة من جهة، ومن جوانب أخرى : التّاريخ القديم والحضارات المؤثّرة ثم المجتمع الحديث ثم المعاصر. ثم يطرح سؤال جوهريّ وجب التأسيس لبعض ملامح أجوبة : العالم غدا!
- الاقتصاد -
بديهي أنّ هذه الكلمة في اللغة العربيّة تعني التحكّم الذكيّ والرّصين في الموارد بحيث يفهم منها «محاولة بلوغ أفضل النتائج بأقلّ التّكاليف». وهذا التعريف يبدو لي تعريفا لغويّا يتماشى مع فلسفة الموضوع لازال ساريا إلى حد اليوم في التعبير عن وظيفة هذا الميدان من النشاط الإنساني. لا تينيّا كلمة (éco)تعني المحيط و«نومي» تفهم على أشكال شتّى حسب المراجع فهذه الكلمة تستعمل في ميادين شتّى من ميادين المعرفة إضافة إلى كلمة لوجي (Logie) (المنطقي) وتعنى التصرّف، التّفاعل إذ أن دلالة هذه الكلمة تختلف حسب اللّغات والثقافات. الكلمة بمفهومها الشامل اليوم نستطيع أن نلخّصها فيما يلي : هو ميدان النشاط الإنساني الخاص ببرمجة وتسيير واستعمال وسائل الإنتاج وتوظيفها واختيار أنماط لذلك الإنتاج من أجل خلق المنتوج والإتيان بقيمة مضافة. (تعريف واسع !).
• الاقتصاد والتاريخ
جمعت الحضارات القديمة بين السلطتين السياسية والاقتصادية فقد كان الحاكم المركزي يمارس بالإضافة إلى الحكم السياسي كلّ أشكال السلطة الاقتصادية حيث هو مالك الأراضي الزراعية والمواني والسفن ومشاريع التّشييد وكان تنظيم السلطتين مبنيا على شكل هرمي بحيث يكون له وزير أكبر وكتّاب ومهندسون ومصمّمون ومفكّرون في أعلى الهرم وتوزّع نفس المهام على مستوى الأقاليم ثم المجتمعات الصغرى ويمثّل سواد الشعب من فلاحين وعبيد وصناعيّين اليد العاملة التي لا تملك سوى قدرة يديها على خلق القيمة.
كان هناك اقتصاد حرب. حيث أنّ جميع الحضارات والدّول والإمارات سعت إلى فرض سيطرة على أوسع نطاق ممكن داخليّا وخارجيّا. فكرّست موارد هائلة من أجل صنع الحرب : أسلحة ومعدّات وجيوش. وهذه الصّورة يمكن تطبيقها على حضارات بلاد ما بين النهرين والصين والهند ومصر الفرعونيّة.
أمّا لدى الإغريق والقرطاجيين والرّومان ومن تلاهم، فقد صنعت تلك الحضارات ميدانا نشاطا من مبادلات تجارية للسّلع وأدوات (وحتّى النّحت والفنّ) فأنشأت طبقة من الأغنياء كانوا في علاقة وطيدة مع السلطة السياسية ومنتجي المعرفة الموظفّة من أجل رفاهة المجتمع وطبعا خصّصت لدى هذه الحضارات إمكانيات دولة هائلة من الثروات المنتجة أو المنهوبة لدى الداخل والخارج من أجل بناء اقتصاد حرب مكّن هذه الحضارات (إلى جانب الجوانب الاجتماعية) من الديمومة واكتساح ربوع ومواطن واسعة. ويمكن أن ننسب هذه المواصفات والمؤشّرات على الحضارات التي تلت (منها العربية الإسلامية) التي تعاقبت حتّى عصر التّنوير والنهضة ثم الحداثة التي بدأت بمشروع العقد الاجتماعي لدى روسو أحد مؤسّسي فلسفة الأنوار.
لم يهتمّ روسو خصيصا بالجانب الاقتصادي لعمليّة بناء المجتمع ولكنّ مشروعه انطوي على نظام اقتصادي مفتوح حيث الحريّة والمساواة بين الأفراد لجوءا إلى القانون وحكم الأغلبية والسّعي إلى سعادة ورفاهيّة الإنسان. ويمكن أن نعتبر أن فلسفات الألمان والتنوير في فرنسا ثم البرلمانية الانقليزية قد لعبت دور لبناء الأرضيّة التحتيّة التي مكّنت من بروز البرجوازيّة الناشئة ووصولها إلى السلطة عبر التجارة أوّلا ثمّ بروز الثورة الصناعية والتنظيم العلمي للعمل وتركيز ملكية وسائل الإنتاج ومجالات الإنتاج والمنتوج لدى هذه الطبقة التي أصبحت سيّدة المواقف بما أنّهما تملك وتكدّس الثّروة فكانت أيضا مالكة مقاليد الدّولة ودوالبها.
• كاينس وأدم سميث
يعتبر آدم سميث أبرز المؤسّسين للاقتصاد الرأسمالي – وهو إلى اليوم مبتكر الليبرالية الحديثة المبنيّة على حريّة الفرد ودوره الأساسي في خلق الثّورة – ومن ناحية نفسية، أسّست الليبرالية إلى تحليل نظريّ اعتبرته غريزيّا في الإنسان فحبّ التملّك وجب السّلطة عبر الثّروة يرجع حسب هذا التحليل إلى رغبة الإنسان في الإحساس بأهميّة ذاته. وهذا في اللغّة والتحليل الفرويدي. وهو ببساطة تعبير عن «الأنا» (Lego). والمختصّون يذكرون الشّعار الشّهير لسميث «أتركه يفعل، أتركه يمرّ»(Laisser faire, laisser passer) . إذن الحريّة مطلقة لرأس المال في خلق الدّيناميكيّة الاجتماعيّة عن طريق توظيف العمل من أجل أكثر فأكثر من الثروة.
العالم الاقتصادي الانقليزي الشّهير كاينس عدّل الأوتار بحيث رأى أنّ للدّولة دورا هاما في تعديل الاقتصاد وذلك بغرض تدخّلها على مستوى الأسعار وسوق الشّغل. ونستطيع جازما إلى اليوم أن نقول أنّ هذا المنوال (le modèle) ساري المفعول في الاقتصاد السياسي المهيمن عالميّا مع بعض الخصائص هنا وهناك ونستطيع أن ننظر إلى العولمة من هذا المنظار حيث يحاول الأقوياء من الدّول فرض سيطرتهم اقتصاديّا أوّلا مستخدمين في ذلك شتّى وسائل الممارسة السياسية والدّعاية إلى هيمنة لغتهم وحتّى دينهم وفلسفاتهم.
المحاولة الماركسيّة والتجربة الشيوعيّة فشلت فشلا ذريعا. ولقد فشلت بالذّات رغم كل محاولاتها لخلق علوم موازية منبثقة من الفلسفة الماركسيّة وضعت عليها قاسم الاشتراكية المشترك : اقتصاد سياسي، اقتصاد موسّع، (Macro). اقتصاد جزئي (Micro) محاسبة مالية اشتراكيّة : كلّ هذا المشروع تحطّم على ضفاف الواقع فاندثر وفشل المنظرون الاقتصاديّون الشيوعيون أساسا فيما كانوا يعتقدونه تأسيسا لفكرهم : «عموميّة الملكيّة من أجل عمومية التوزيع». فأثبت الواقع الناجح العكس : «فرديّة الملكيّة من أجل عموميّة التوزيع».
• أين تونس من هذا ؟
هل أنصتنا بدءا لعلماء الاقتصاد في بلادنا ؟ هل فتحت الحوارات في هذا الموضوع الجوهري والحياتي؟ هل أسّسنا لتطبيق آلاف الصّفحات التي كتبت في البرامج الانتخابية فبقيت حبرا على ورق؟ ثمّ هل تتعارض الأحزاب في برامجها اقتصاديّا ؟
هذه الأسئلة تصبح أجوبة : يجب التّأسيس!!
- اقتصاد حرّ يلقى فيه الباعثون الفعليّون الخالقون للثّروة والقيمة المضافة، كلّ التسهيلات (القمرقية والإداريّة والمصرفيّة...) من أجل دفع العجلة.
- تشجيع فعلي وعملي مباشر لكلّ الباعثين الكبار والمتوسّطين وخاصة الشبّان (على مستوى التمويل البنكي ( !!!) والمرافقة وتسهيل سداد الدّين.
- مراجعة السياسة السياحية حيث آن الأوان لإدماجها وانصهارها في السياحة العالمية الحديثة والمعاصرة... (لازلنا على أطلال سياحة السبعينات). وجب التحديث والتأقلم وفتح كلّ المجالات أمام السياحات الجديدة.
- الإتيان بحلول سريعة لمعضلات المؤسسات المشلولة، خوصصة جزئية، وحوار مسؤول وحلول عمليّة (هذا ممكن جدّا جدّا ! ).
- الفلاحة أحد أعمدة اقتصاد تونس وهي فلاحة متنوّعة وقادرة على خلق القيمة المضافة. وجب ربط فعلي وحقيقي بين الفلاّح والمهندس والباحث. انطلاقة عارمة يمكن أن تحدث انطلاقا من هذا المبدأ فقط.
- الانصهار في الاقتصاد العالمي المفتوح بالابتكار والظّفر بالأعشاش (les niches) وفي هذا المجال لنا شباب ذكيّ، وناشط قادر على رفع الرّهانات وتحقيق المعجزات.
- إصلاحات جريئة في ميادين شتّى تؤلم في بداياتها لكنّها تثمر عاجلا.
هذه بعض محطّات. المهمّ فهم عالمنا اليوم. الانصهار في عالم الواقع والممكن. والكفّ عن إهدار الوقت (الذي هو من ذهب) بالطّاقات (التي هي عماد خلق الثّروة).

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا