شبهة الفساد ضد رئيس الحكومة: الفساد في أعلى هرم السلطة: نكسة خطيرة للحرب على الفساد

بقلم: عبد المجيد
المسلمي
تتضافر الدلائل يوما بعد يوما حول شبهة تضارب المصالح و الفساد ضد رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.

و تتمثل الخاصية الأساسية لهذه القضية الخطيرة بكونها شملت أحد رأسي السلطة التنفيذية بل الشخصية الاكثر نفوذا في السلطة. وذلك أمر غير مسبوق في تونس بعد الثورة. فرغم كل الإنتقادات و الطعون في سياسات رؤساء الدولة و رؤساء الحكومات الذين تداولوا على الحكم بعد الثورة فإنه لم ترفع ضدهم قضايا موثقة لتضارب مصالح أو فساد. أما قبل الثورة فإن السلطة التنفيذية لنظام بن علي مثلت النواة الرئيسية للفساد وكان الفساد سياسة دولة بأتم معنى الكلمة. و لأن ديمومة الفساد كانت تشترط الإستبداد فقد مثلا خاصيتين مترابطتين للنظام السابق. لذلك ثار الشعب وأسقط منظومة الإستبداد و الفساد. لذلك فإن اتهام رئيس الحكومة الياس الفخفاخ بتضارب المصالح و الفساد يمثل منعرجا خطيرا لا فقط في الحرب على الفساد بل تهديدا جديا لللإنتقال الديمقراطي. لأن الفساد هو الرحم الذي ينشأ فيه الإستبداد و الديكتاتورية.

رسالة سيئة للمجتمع : إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا !!!
لا شك أن الفساد منتشر و مبثوث في ثنايا المجتمع التونسي و أن مقاومته سوف تكون قاسية و طويلة المدى. أما أن تكون هناك شبهة فساد ضد رئيس الحكومة (و خاصة إذا تم تبييضه لا قدر الله) فستكون رسالة سيئة وخطيرة للمجتمع. فالرسالة التي سيتلقاها بعض المسؤولين مركزيا و جهويا (وليسوا كلهم) أنه بإمكانهم تجاوز القانون و ارتكاب جرائم وتضارب مصالح و أنهم سيجدون دائما من يسكت عنها أو يبررها و يضفي عليها الشرعية. فكما يقول المثل الفرنسي l’exemple vient d’en haut !!! . فإذا فعلها رئيس الإدارة فلم لا يفعلها منظوروه؟؟ فهل هو حلال عليه و حرام عليهم؟؟؟
أما االمواطنون الذين ضاقوا ذرعا بالفساد وانتخبوا رئيس الجمهورية و عديد الأحزاب على قاعدة رفض الفساد و التصدي له فسيكون تبييض الفساد طعنة في الظهر و غدرا و خيانة.

و هنالك مقولة في الطب الجماعي تعتبر أن الصفات الحميدة أو الصفات السيئة تنتقل في المجتمع بالعدوى مثل الأامراض المنقولة La qualité est contagieuse فإذا عشش الفساد و شكل بؤرة مثل فيروس" الكورونا" فإنه سينتشر في المجتمع الذي يصبح موبوءا. و إذا غلبت قيم الشفافية و النزاهة فإنها ستعم كامل المجتمع.
وتمثل "القيادة" le leader ship في المجتمعات سواء كان رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو شخصيات سياسية رمزية مهمة و منوالا و مثالا يحتذى. فإذا كان القائد نزيها و محافظا على المال العام فإن تلك الصفات ستغلب في المجتمع و العكس بالعكس. إن شبهة الفساد المتعلقة برئيس الحكومة تمثل منعرجا خطيرا في الحرب على الفساد التي تخوضها بلادنا قبل الثورة و بعهدها. وإن محاولات تبييض تلك الشبهات ضربة خطيرة ونكسة غير مسبوقة في هذه الحرب القاسية.

الفساد في أعلى هرم السلطة : مدخل للإستبداد
عندما تقاوم الفساد لدى مواطنين ( مسؤولين جهويين- مديرين مركزيين.رجال أعمال..) فإنها مقاومة مجتمعية ميسرة نسبيا بالقوانين و الأليات المتاحة حاليا. ولكن عندما تتعلق المقاومة بشبهة فساد لرئيس الحكومة فإنها تصبح مقاومة سياسية لأعلى هرم السلطة. فانك لم تعد تقاوم الفساد فقط وإنما تقاوم السلطة و النظام. ومعلوم أن السلطة ستسعمل كل الوسائل الامنية و المالية والمعنوية لمواجهة كل متهميها و أحيانا باقصى قوة من التعسف و القمع. فالسلطة الفاسدة سرعان ما تتحول إلى سلطة ديكتاتورية قمعية لأنها تسعى للمحافظة على سلطتها أولا و مصالحها ثانيا ومصالح أتباعها ثالثا. فهي تسعى إلى توسيع نطاق فسادها على المحيطين بها ورشوتهم بجزء من منابات الفساد ليصبحوا من التابعين لها المدافعين عنها. تلك هي فيزيولوجيا تشكل الانظمة الديكتاتورية و النظام السابق أبرز ممثليها. فساد يحمي الديكتاتورية و ديكتاتورية تحمي الفساد.

و قد شاهدنا بداية العرض في قضية شبهة الفساد ضد السيد إلياس الفخفاخ. فوزراءه (ونتصور أيضا منظوريهم مركزيا و جهويا) أصبحوا أول المدافعين عنه حماية لمراكزهم و مصالحهم. فهم متأكدون أنهم سيرحلون إذا رحل الفخفاخ. حتى أن أكثر الوزراء الذين صدعوا رؤاسنا بديماغوجيا مقاومة الفساد مثل محمد عبو و غازي الشواشي أصبحوا مدافعين شرسين عن الفخفاخ و عينهم على كرسي الوزارة و خوفهم عليه من الإهتزاز. أما البعض الأخر من النواب و السياسيين فبعضعم يبرر شبهة الفساد بالإيهام بان سقوط الفخفاخ سيكون الطامة العظمى و سيدخل البلاد في حالة فراغ وفوضى مستشهدين بالمثل القائل " شد مشومك لا يجيك ما أشوم". و كأنهم يخيروننا بين قبول الفساد أو عدم الإستقرار السياسي. في حين أنهم خائفون على كراسي الحكم ولا على تونس. ذلك أن تغيير رئيس حكومة في بلد ديمقراطي هو أمر عادي لا يطرح أي مشكل.
و سوف يتحلق حول رئيس الحكمومة جحافل من الإعلامين و"المفكرين" والساسة... يدافعون عن رئيس الحكومة. فالسلطة السياسية في مخيالنا الجماعي ليست فقط صاحبة العصا الغليظة التي تقمع كل من يعارضها بل هي صاحبة النعم وتجازي بالمناصب و المغانم من يدعمها. إن الفساد في أعلى هرم السلطة يهدد المسار الديمقراطي برمته.

مسؤولية رئيس الجمهورية.
لا شك أن أكبر شخصية محرجة في هذا الملف هي رئيس الجمهورية. فهو الذي اختار رئيس الحكومة الحالي إلياس الفخفاخ على معنى الفصل 89 للدستور باعتباره "الاكفأ" وأمضى بخط يديه على تعيينه و طلب من الأحزاب المصادقة عليه وبالتالي فهو يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية لهذا التعيين. و قد لاقى هذا التعيين أنذاك معارضة شديدة باعتبار أن السيد الياس الفخفاخ لم يتحصل أنذاك إلا على 0,33 من الأصوات في الإنتخابات الرئاسية و أنه فاقد للشرعية الإنتخابية بعد أن رفضه الناخبون في اقتراع سري و مباشر. فكيف يعود إلى أعلى هرم السلطة من الشباك بعدما ما لفظه الناخبون من الباب !!! و قد اعتبر البعض أن تعيين الفخفاخ نكران للديمقراطة و تعسف على الإرادة الشعبية.
ويتساءل المواطنون حول مدى تثبت مصالح رئاسة الجمهورية في السيرة الذاتية للسيد الفخفاخ و هل أنها كانت على علم بأسهمه في شركة خاصة وأن لها صفقة جارية مع الدولة عند تكليفه بتشكيل الحكومة. و إذا كانت مصالح رئاسية الجمهورية لا تعلم فهي مصيبة و إن كانت تعلم فهي مصيبة أكبر.

إن ملايين الناخبين الذين انتخبوا رئيس الجمهورية قيس سعيد و خاصة في الدور الثاني ضد السيد نبيل القروي سعوا إلى قطع الطريق أمام الفساد حتى لا يعشش في أجهزة الدولة. فرئيس الجمهورية معروف ومحبوب لدى الراي العام بنزاهته و نظافة يديه probité و مناهضته الشديدة للفساد و حرصه على المال العام ومصالح المواطنين.
فإذا كان التحرر الوطني استقلالنا الأول وتحقيق الديمقراطية هو استقلالنا الثاني فإن الإنتصار على الفساد هو استقلالنا الثالث.

لذلك فإن المواطنين ينتظرون موقف الرئيس. وحبذا لو يكون موقفا حاسما وصارما ضد شبهات الفساد. عندها سيوجه رسالة طمأنة و تفاؤل لكل التونسيات والتونسيين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا