قهوة الأحد: في منهجية الخطاب والممارسة الاقتصادية

عرفت بلادنا في الأيام الأخيرة اهتماما كبيرا بالمسائل الاقتصادية والاختيارات التي يجب اتخاذها لتجاوز أزمة الكورونا.

ولعل حدة الأزمة وحجم الانكماش الذي ستعرفه بلادنا خلال هذه السنة يفسر هذا الاهتمام بالمسائل الاقتصادية في الخطاب العام .

وفي هذا الاهتمام ومحاولة متابعة الشأن الاقتصادي جوانب ايجابية ومنها الابتعاد عن الخلافات الهامشية التي تعيشها الساحة السياسية في الأسابيع الأخيرة وابتعادها عن المشاغل الحقيقية للمواطنين وعموم الناس والتركيز على التحديات الكبرى التي تمر بها بلادنا .
كما أن هذا الاهتمام يفتح مجال النقاش لأغلب الناس ولكل الفاعلين الاقتصاديين لتكون القرارات والسياسات الاقتصادية محل اكبر اجماع ممكن ولتكون التعبيرة الصادقة على مشاغل الناس والمصاعب التي يواجهونها .

إلا انه إلى جانب هذه الجوانب الإيجابية في عودة الاهتمام بالشأن الاقتصادي في الحوار العام فإنه لابد من التركيز على بعض النقائص والجوانب السلبية كغياب الدقة، والضبابية وفي بعض الأحيان طغيان الايدولوجيا والتي تشكل معوقات أساسية لظهور نقاش اقتصادي عقلاني ،جدي، واقعي ورصين.

فالغالب على الخطاب الاقتصادي وحتى الخطاب الرسمي اليوم هو فقدان الدقة حول المعطيات والواقع .فقلما نجد خطابا أو تحاليل اقتصادية مدعمة بأرقام واضحة .ولعل أهم مثال على ذلك اليوم هو موضوع الانعكاسات الاقتصادية لأزمة الكورونا على بلادنا.فقد أكد اغلب المتدخلين في الخطاب الاقتصادي على الانعكاسات الخطيرة على اقتصادنا وعلى الأزمة الكبيرة التي ستعيشها بلادنا خلال هذه السنة والسنوات القادمة .إلا انه في ما عدا الأرقام التي قدمها صندوق النقد الدولي وكذلك الدراسات التي قمت بنشرها من حين لآخر فأن الأرقام كانت شحيحة ولا نعرف إلى اليوم حجم الانكماش الاقتصادي الذي ستعرفه بلادنا خلال هذه السنة من وجهة النظر الرسمية .فقد أشار بعض المسؤولين الحكوميين إلى بعض الأرقام لكن دون تقديم دراسة وافية عن الانعكاسات الاقتصادية بالرغم من كفاءة وقدرة المؤسسات الرسمية على إنتاج هذه الدراسات وتقييم الوضع الاقتصادي بالكثير من الدقة والجدية.

كما أن إحدى سمات الخطاب العام هي الضبابية وغياب الرؤيا الواضحة لسياسات الخروج من الأزمة الاقتصادية .ومن نتائج هذه الضبابية التضارب الكبير في المقترحات والتوصيات التي تقدمها اغلب الجهات وبصفة خاصة الجهات الرسمية .ويمكن أن نعطي بعض الأمثلة لهذا التضارب والتناقض في الاختيارات والتوجهات الكبرى . فمن جهة – مثلا - تؤكد الدراسات الرسمية على تراجع الادخار في بلادنا والذي يشكل القاعدة الأساسية لعملية التمويل البنكي .إلا أن التوصيات والسياسات تأتي مخالفة لهذا التحليل إذ تسعى إلى الترفيع في الاداءات المطبقة على مختلف أشكال الادخار مما سينتج عنه تراجع اكبر في مستويات الادخار وبالتالي في التمويل والاستثمار .

سمة أخرى من سمات الخطاب الاقتصادي السائد اليوم تخص المغالاة والانغماس في الايدولوجيا وهيمنة المواقف المسبقة.ويمكن لنا كذلك في هذا المجال أن نشير إلى أمثلة عديدة وكبيرة أحدها النقاش الدائر اليوم حول مسالة المديونية الخارجية.وفي رأينا فأن هذا النقاش والمواقف التي تم التعبير عنها في هذا المجال تتميز بالسطحية والكثير من الشعبوية ولابد من الإشارة إلى أن التداين هو مسألة أساسية وقاعدة من قواعد التمويل في كل الأنظمة الاقتصادية حتى المعادية منها للرأسمالية .ولكن للمديونية قنوات عديدة ومسالك مختلفة هناك منها المفيد والضروري للاستثمار ومنها كذلك الذي له تأثيرات سلبية في بعض الأحيان حتى على اختياراتنا الاقتصادية الكبرى .فالمسألة إذن ليست مرتبطة بموقف عام حول اللجوء للمديونية بل تتطلب النظر بصفة جدية إلى أهم قنواتها لاختيار التي تساعدنا على دفع الاستثمار دون المساس بتوازناتنا المالية أو اختياراتنا الاقتصادية.

وقد عرفت بلادنا تطوروا للنقاش والحوار الاقتصادي في الفضاء العام .إلا أن هذا النقاش شهد الكثير من النقائص والمعوقات مما جعله لا يرقي إلى حد الآن إلى مستوى الحوار الرصين والعقلاني والقادر على فتح آفاق جديدة لسياساتنا الاقتصادية ولاختياراتنا الكبرى .
وسنحاول في هذه المساهمة تقديم بعض الملاحظات حول طرق وآليات إعادة بناء الخطاب الاقتصادي ودعم عقلانيته وتجاوز أوجه القصور فيه .وفي رأيي فأن تطوير الخطاب الاقتصادي يجب أن يتبع نهج المنهجية العلمية التي وضعها الاقتصاديون على مر العقود والتي تتبع في ركائزها الأساسية المنهجية العلمية التي اتبعها العلماء والباحثون في كل المجالات الأخرى .

وترتكز هذه المنهجية على ثلاثة ركائز أساسية .

المسألة الأولى والأساسية والتي تشكل نقطة الانطلاق لأي خطاب أو ممارسة اقتصادية تهم الملاحظة (l’observation) أو قراءة الواقع وتقديم أرقام ومعطيات واضحة وضافية حول الوضع الاقتصادي .وكل خطاب أو كل ممارسة لا تنطلق ولا ترتكز على هذه القاعدة الأساسية تفتقد لكل مشروعية ولا يمكن إعطاؤها صبغة علمية .وهنا لابد من الابتعاد عن التوصيف العام للواقع ولابد أن نمر إلى عملية تقييمه بصفة إحصائية دقيقة .

إن أهمية عملية التدقيق ومعاينة الواقع وتشخيصه كنقطة انطلاق للسياسات الاقتصادية كانت وراء بعض وتكوين مراكز الإحصاء والإمكانيات الضخمة التي وضعتها كل دول العالم وحتى كبرى المؤسسات الدولية من اجل إعداد الأرقام الضرورية لعملية التشخيص والقراءة والتدقيق .
وفي الأزمة الحالية ونظرا لخطورتها لابد للحكومة وللمؤسسات الرسمية للدولة من مراكز بحث وإحصاء إعطاء أرقام مضبوطة ودقيقة حول انعكاسات جائحة الكورونا على كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية .وبدون هذا العمل الأولي لا يمكن المرور إلى المرحلة الثانية من المنهجية الاقتصادية ويصعب الحديث على توصيات أو اختيارات في السياسة الاقتصادية .

المرحلة الثانية في المنهجية الاقتصادية تهم الرجوع إلى النظريات الاقتصادية والتصورات الكبرى .وقد تبدو هذه المرحلة ترفا فكريا من قبل بعض الاقتصاديين للحفاظ على نقاوة مهنتهم .إلا انه - في رأيي - هذه المرحلة ضرورية والرجوع إلى النظريات الاقتصادية أساسي وذلك لسببين على الأقل .

السبب الأول يهم قدرة النظريات الاقتصادية على فهم وقراءة الأسباب العميقة للظواهر وتطور أهم العناصر الاقتصادية .وقد اهتم كبار الاقتصاديين ومن ضمنهم آدام سميث (Adam smith) ودافيد ريكاردو (David Ricardo) وماركس (Marx) وجون مينار كينس(John Maynard keynes) وميلتون فيردمان(Milton Friedman) في ضبط العلاقات الفطرية بين أهم عناصر العملية الاقتصادية وتحديدها في متعادلات كمية أساسية باعتبارها تعطي مفاتيح الديناميكية الاقتصادية وتسلسل العلاقات الإنتاجية.وهذه النظريات تفسر عديد المسائل الأساسية كانعكاسات نسب الفائدة على الادخار والاستثمار في السياسة المالية .كما ان هذه النظريات تعطينا كذلك فكرة على دور الطلب واهم مكوناتها على النمو والاستثمار .
وتشكل هذه النظريات جوهر المعرفة الاقتصادية وتعطي الاقتصاديين والمهتمين بالقضايا الاقتصادية إمكانية فهم العلاقات الشائكة بين أهم مكونات الحياة الاقتصادية .

كما أن معرفة النظريات الاقتصادية وهذا المستوى الثاني والضروري للمنهجية الاقتصادية له أهمية كبرى باعتباره يدرس التجارب المقارنة ويهتم بها.فالنظرية الاقتصادية لا ترتكز فقط على الجانب الفكري بل تعتمد في جانب كبير منها على التجارب التاريخية والمقارنة بين الدول والتي تلعب دورا مهما في إنارة السبيل وفتح الآفاق لفهم الأسباب العميقة للعوارض الاقتصادية.

بعد التشخيص والتوصيف نمر إلى المرحلة الثالثة في النظرية الاقتصادية وهي مرحلة صياغة الحلول وترجمتها إلى سياسات اقتصادية لمواجهة الأزمات والتصدي لها وإيقافها.وهذه المرحلة والتي تشكل نقطة الانطلاق في بعض التحاليل السائدة اليوم لا يمكن لها إلا أن تكون المرحلة الختامية من مسار ينطلق من تشخيص الواقع إلى الاستنارة بالنظرية الاقتصادية وصولا إلى ضبط السياسات والاختيارات الكبرى .

ومرحلة صياغة+ السياسات تتطلب شرطين أساسيين سيكون لهما تأثير كبير في تحديد فاعلية التوليفة .
الشرط الأول هو التناغم بين مختلف السياسات .فلا يمكن مثلا أن تكون السياسات المالية توسعية بينما تتجه السياسات النقدية نحو التقشف.والشرط الثاني لنجاح السياسات الاقتصادية هو ابتعادها عن الايدولوجيا وتوجهها نحو البرغماتية .
تعيش بلادنا اليوم على وقع الأزمة الاقتصادية الحادة جراء جائحة الكورونا .وكانت هذه الأزمة وراء ارتفاع الاهتمام بالمسائل الاقتصادية في النقاش العام.إلا أن هذا النقاش يتطلب تطويرا لتجاوز معوقاته حتى يتمكن من المساهمة بطريقة جدية في صياغة سياسات الخروج من الأزمة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا