الإختــلاف كـــذبتنا الجميلة

قد نعتبر حق الاختلاف كذبتنا الجميلة في تونس، ربما نتزين به في المحافل الدولية وفي اللحظات الفارقة في تاريخنا المشترك، ربما خضنا نقاشات

مطوّلة في البرلمان وفي المنابر، في المقاهي وحتى في الأسواق، وكل منا خاض النقاش بحساباته السياسية أو مربّعه الإيديولوجي -أو حتى- بفهمه المتواضع وموروثة الكامن فيه.. ولم نفصل في هذا الحق الذي ظلّ كذبتنا الجميلة..
الشيزوفرينيا هي وصف كاريكاتوري لازدواجية المواقف والأفعال للكثير من التونسيين، حتى لا أقول لأغلب فئات هذا الشعب.. الذي يأخذ ما يرضيه وما يطمئن الجماعة، والذي يترك ما لا يرضيه وما لا يطمئن الجماعة. مرجعيات متباعدة بين الأفراد وتعصّب عند تخطّي الأعراف السائدة في المجتمع، ليصبح الاختلاف عاهة أو شتيمة أو وصما أو تهمة أو جريمة يعاقب عليها القانون ويزدريها المجتمع..

إلى حدّ اليوم لم نحدّد معنى الاختلاف ومجالاته ونحن نتغاضى عن استتباعات إنكاره مستقبلا، وطبعا لا نستطيع أن نفهم أصحاب هذا الحق، أي لا نستطيع أن نفهم أنفسنا، مادمت الشيزوفرينيا الحادة سمة المجتمع، وبالتالي لن نضمن ممارسة هذا الحق ولن نجد من يرعاه إلا أولئك الذين يسمون الأشياء بمسمياتها ويعتبرون أن الاختلاف حقا وليس كذبة.. بالتالي فإن كل مختلف معنت مواطن له نفس الحقوق والواجبات، وهو ليس العدو، ولا الشرّ المطلق، ولا العميل ولا الخائن، ولا المائع، ولا مخرّب المجتمع ولا المجرم..

إلى حدّ اليوم لم ينجح سياسيو تونس في حقن مناخهم السياسي بمصل الهدوء، ذهبوا بمعاركهم إلى حدود عنيفة متوترة دامية، كان هذا دأبهم على كل حال في كل الحكومات المتعاقبة، السياسي اليوم عدو السياسي الآخر وليس خصمه.. بالتالي هل لنخبة سياسية لا تحترم حق الاختلاف أن تشرّع أو ترعى أو تحكم بهذا الحق؟ وإذا كانت القوانين التي تشرّع مبتورة منقوصة فهل يستطيع الإنسان أن يعيش في أمان في وطنه دون أن يُنعت بنعت أو يُتّهم بجريمة ما لمجرد أنه مختلف؟ وإن كان المجتمع يدير وجهه لهذا الحق فكيف تفهمه الأفراد ويصبح ضمن آليات تفكيرها وعاداتها وممارساتها؟

يتوسع الحديث عن الاختلاف ويتفرّع ولا ينتهي أبدا، ولعلّ مسألة الحريات الفردية، التي نغمض أعيننا عنها، تبقى نقطة الاستفهام الكبرى، ففي هذا الواقع الذي لا يستقرّ أبدا، يعزل الأفراد أو المجموعات ويصنفون بشكل دوني عن الآخرين، لأن اكتساب الحقوق وممارسة الحريات الفردية خاصة تبقى رهينة الوعي الفردي والجمعي أيضا، مادامت مجلة "الحقوق والحريات الفردية" مرمية منسية في أدراج البرلمان، فهذه الحقوق مسألة ثانوية ومسألة ترف، والأولية اليوم للنهوض بالإقتصاد، إلخ إلخ من الحجج الواهية التي تصبّ دائما في مقولة "موش وقتو"..

وعادة ما ننسى أن المواطنة هي الحريات العامة وأيضا الحريات الفردية، فالحرية في النهاية ليست إلا حقك في أن تكون مختلفا.. إذن مازالنا أفرادا لا مواطنين.. فالحرية لا تكون إلا بحرية الضمير وحرية الجسد.. وبالمساواة التامة..

إلى حدّ اليوم لا تعامل الدولة الأفراد كبشر راشدين، الدولة اليوم وصية على البشر، فعن أي مواطنة نتحدث وعن أي حرية؟

إلى حدّ اليوم نعتبر حرية الجسد فسوقا ورذيلة وكل النعوت المشينة، وحرية الجسد لا تعني أساسا الحرية الجنسية فقط، إنما تعني حرية الفرد في جسده، إلى حدّ اليوم جسد الفرد رهين للأحكام الأخلاقية، وللعقوبات المعنوية والمادية، وإلى حدّ اليوم يحاكم الفرد لاختياراته الجنسية.. كما يحاكم أو يقهر الفرد باسم المعتقد.. في الأخير يٌسحق المختلف في هذا المجتمع وفي هذه الدولة دون رحمة..

ربما لم يكتمل بناء الدولة بعد، وربما لم يصبح الفرد مواطنا بعد، ولكن أي نظام لا يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان لن يعمّر خيرا ولن يزرع حسنا ولن يكتب له النجاح أبدا. فالحديث عن حقوق الإنسان أصبح من الشعارات الميّتة التي تتشدّق بها السلطة كلما دعت الحاجة، وترفعها المعارضة بكل أبواقها في وجه السلطة ثم تتنكر فور إعتلائها سدة الحكم.
ربما عندما تصبح حقوق الإنسان جزءا لا يتجزأ من بنيتنا الذهنية، ومن برمجتما العصبية ومن عاداتنا اليومية عندها سنكون مواطنين لا رعايا.. فلا أحد يمكن أن ينعت نفسه بالمواطن مادامت حقوقه منقوصه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا