منبــــر: البعض من أمي..

تلك المرأة التي تبهرني يوما بعد يوم.. امرأة تختزل كل صور الكفاح والنضال والتضحية كي أبتسم لها وأخبرها أني بخير..

كل شيء يتكرّر إلا أمي إنها معجزة في الزمان والمكان.. أمي أو الكون بأسره، بل الأكوان بأسرها، هي الحضارة والألوان والصور وكل الحكايات الجميلة التي لا ترويها أي لغات ولا تحتوي عظمتها وجلالتها على كلمات.. هي التي تحيا وتعيش من أجل أن نكون بخير، أليس هذا عظيما؟
أمي، ما هذا الحب الذي لا يخمد أبدًا ولا يفتر، أعرف أن كل شيء نسبي إلا النسبية لم تستوعب أمي.. هي حب مطلق، ومفعول مطلق في كل تفاصيل الحياة.. تلك المرأة التي علمتني ممارسة الحرية كما أفهمها..
منذ كنت صغيرة وعندما كنت أخاف أذهب إلى أمي لأحتمي من "الغولة والعبابث" وكانت تطمئني وتحاول إقناعي جاهدة أنه لا وجود لهذه المخلوقات أبدًا، فأتوسّل أليها أن أنام عندها.. فلا تتركني أبدا إلا وأنا مستغرقة في النوم بعد أن تبعد مخاوفي بتفاصيل حكاية ترويها لي.. حكايات أمي كثيرة مليئة بالفرح والذكاء.. تشبع خيالي حتى أنتصر على مخاوفي، هكذا كانت أمي تفعل دائما...

أقوم في الصباح لأجد أمي بانتظاري تبتسم، يهجرني النوم في الليّل لأرى أمي مستيقظة تبتسم، إذا قمت أرى أمي مستيقظة تبتسم، أمي ملاك لا تنام.. نجتمع إلى مائدة الطعام، نأكل جميعنا لكنّ أمي لا تأكل أبدا، كانت تطبخ الخبز ولا تأكل منه مطلقا، تعدّ القهوة ولا تشرب منها أبدا.. أمي امرأة بلا معدة..

لا أعرف عندما أستحضر صورة لمَ أمّي تكون بذات الثوب، لا تغيّره أبدا، ففي أيّام البرد أتدثّر بكل ما أُتيت من أثواب حتى لا أشعر بالبرد القارص، لكنّ أمّي لا تُغيّر ثوبها ولا تشعر بما أشعر من برد، جسد أمّي ربيع دائم..

لا تخرج أمي من البيت مطلقا، لكنها تعرف حفر الطريق ومنزلقاته الوعرة، لذلك تخبرني أي طريق أعبر حتى لا أتعثّر في حفره .. لا تعرف أمي ما يدور خارج البيت لكنها تعرف كيف كان يومي بمجرّد أن تنظر إلى عينيّ.. أمّي امرأة يُوحى إليها ولا تدّعي النبؤة والمعرفة أبدا..

لم تدخل أمي المدرسة يوما لكنّها علّمتني القراءة والكتابة، وحدّثتني عن أبطال قصص من وحي مصباحها السحري ومن وحي عجائب خيالها الثرّي، أهدتني كتبا لا حصر لها.. لم تدخل أمّي المدرسة يوما لكنها رسمت بكلماتها ما لم يخطّه أحد.. وعندما تأتي فترة الاختبارات في المدرسة كنت أذهب إلي أمي وأخبرها أن لدي إمحتان وأني خائفة، كانت تقول لي، أرى النجاح في عينيك، لا تلتفتي إلى الوراء إلى أن تصلي إلى المدرسة .. وكنت آخذ كلامها كما هو فلا ألتفت إلى الخلف أبدًا .. حتى إذا نادني أحدهم لا ألتفت .. ما أنبل أن تزيل مخاوفي بكلمة واحدة.. وما أنبل أن تتعلّم السير دون أن تلتفت إلى الوراء، لكلامهن مفعول سحري.. الأمهات بلسم أينما وضعته التأم الجرح وغاب الألم وطغى الحب وعمّت السكينة وسادت الحكمة. أليس عظيما أن تبقى أمّي نورا يضيء دربي بلا انقطاع؟

علمتني أن أعيش حكايتي أو أن أجاهر بأفكاري الحقة، وأن لا أبتلع الكلمات وأن أكتب وأحوّل ما يخيفني إلى حكاية أكتبها.. وأن لا أبتلع الكلمات وأن أكتب كي أتنفس. أليس هذا عظيما أن نتداوى بالحروف ونرقص بالكلمات؟
أتساءل أحيانا ماذا لو عاشت أمي بترف زمني وجيلي؟ ربما لتغيرت حياتها .. ولكن أمي اختزلت كل معاني التضحية.. لا يقولها لسانها لكن قلبها يهمس بذلك دائما..يعشن لأجلنا.. من يمكن أن يفعل ذلك غيرهنّ؟ أتعرف معنى أن يعيش إنسان لأجلك؟ تلك نعمة تدعى أمّي.. تلك التي ستطيع أن تجمع كل حطامي بضمّة واحدة على صدرها.
هي الإنسان الذي لن يخذلك أبدا ولا يعرف إلا أن يحبّك ويفهمك حتى يعجز الفهم ويجز المنطق ويتهاوى العلم في فهم طبيعتها، نعم ألم يقولوا أنها ملاك من البشر؟ لعلّ فيروز اختصرت كل شيء عندما غنّت، "أمي يا ملاكي".. ملاك وحبّ خالص صامد إلى أبد الأبد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا