فيروس الكورونا : من «صدام الحضارات» إلى «صدام الأنواع» intra-espèces

فى مؤلّفه الشّهير «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمى» خلص البروفيسور الأمريكى Huntington Samuel

إلى أن دينامية العلاقات الدولية ما بعد «الحرب الباردة» ستٌبنى حصرا على مٌحدّد الصدام بين مختلف الحضارات عوضا عن الايديولوجيات وستشهد تحالف بين الحضارتين الإسلامية والصينية لمجابهة التفوق الغربي...

بقطع النظر عن مدى وجاهة هذه النظرية من عدمها والاستخدامات الجيو-استراتيحية المٌروّعة التى اتخذتها بٌعيد أحداث 11 سبتمبر 2001 أمسى من المسلّم به بأن البعد الحضارى للصراعات يٌعدّ معطى واقعى factuel لا يختلف عليه اثنان.. لا يتوقف عند تخوم الدول بل يتجاوزه إلى قلب الدولة الواحدة، فالصراعات الاثنية الدموية التى عرفتها «يوغسلافيا» سابقا وما ترتب عنها من إعادة تشكيل للمشهد الجيوسياسى لمنطقة «البلقان» برمتها تؤكد الحضور القوى لهذا العامل الخفى والخطير فى تغذية الصراعات الدولية وتأجيج المشاعر القومية الأكثر أرثوذكسية وراديكالية ...

فإن كان «صدام الحضارات» سيستمر بعناوين مختلفة، فإننا نجد أنفسنا اليوم عٌزّل حيال صدام كوني من نوع قديم-جديد .. «أبطاله» كائنات مجهرية مؤلفة من جيوش جرارة تتكاثر ذاتيا من بكتيريات وفطريات وفيروسات الخ التى لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة .. تعيش بيننا منذ ألاف السنين .. تٌزيّن موائدنا فى شكل شرائح شهية من الجبن المخمّر والنبيذ المعتق بكتيريا.. دهست جميع الحضارات دون استثناء فى فترات تاريخية متباعدة.. سمحت لعائلة «الفيروسات» من التطور الخارق وفق «نظرية الارتقاء الداروينية» لتبلغ مستوى الفيروس التاجى بصيغته الراهنة COVID 19 .. أصابت مقومات العولمة فى مقتل من نقل للأشخاص والبضائع والأموال .. أودعتنا رهائن بالمليارات كفئران مخبرية داخل بيوتنا إلى أجل غير مسمى.. صيّرت شوارعنا وأبراجنا الشاهقة التى نتفاخر بهما الى مدن أشباح .. منعتنا من الحق فى تقبيل أبناءنا وأحبتتا وحتى من التنفس والسعال.. عزّزت توجّسنا وخوفنا من الآخر الذى أضحى ناقل محتمل للفيروس.. حوّلت أحد أهرامات الحضارة الغربية «ايطاليا» إلى مشهد جنائزي مسترسل وكأنّ بسردية «نيرون» حول احتراق روما تنتفض من جديد ...

وان كان تاريخ الإنسان مع الأوبئة موغل فى القدم، فان COVID 19 يتفرّد عن النماذج الفيروسية السابقة بما فيها كورونا CoV- 2 بسرعة انتشاره الضوئية، وقدرته المحتملة على التحوّط الجينى، وفرضه لنمط عيش غير بعيد عن الإنسان البدائي الذى لا يغادر كهفه إلا للبحث عن الغذاء.. مهّد لانتشاره الوبائى القاتل ثقافة « مركزية الانسان» l'anthropocentrisme التى تخطت كل الحدود .. عبّرت عنها نرجسيتنا المقيتة التى أسقطت من حساباتها مبدأ «النفعية المتبادلة» symbiose بيننا وبين مختلف الكائنات الحية كحجر زاوية لاستمرار الحياة على وجه هذه البسبطة .. تمادت فى تقويض مختلف المنظومات البيئية بشكل ممنهج من براري وغابات وانهر وبحار باسم التقدم الصناعى والتوسع العمرانى مما سمح للفيروسات من التسلل داخل الوسط البشرى للانتقام والفتك بنا...

فالفيروس SARS-CoV-2 الذى ظهر بالصين فى نوفمبر 2002 قبل ان يتحوّل إلى جائحة سنة 2003 ، تتقاطع جميع البحوث العلمية أنه انتقل من الخفافيش chauves souris او من حيوان Le pangolin الى الانسان، انتقال لم يكن ممكن لو لم يتعمد الانسان الى القضاء على الفضاء الطبيعى المفتوح للخفافيش مما اضطرها للبحث عن ملاذات قريبة من الوسط البشرى من ضيعات زراعية وتجمعات فلاحية أو من خلال ممارسة الصيد الغير شرعى braconnage لحيوان pangolin بالرغم من تصنيفه كحيوان محمى فى طور الانقراض ...
نفس الشىء ينطبق على فيروس ايبولا Ebola الذى تزامن تفشيه فى غرب افريقيا مع عمليات إزالة الغابات Déforestation المتواصلة الى اليوم على حساب البيئة الطبيعية الحاضنة للخفافيش الحاملة للفيروس مما جعلها تتمركز على مقربة من التجمعات السكنية ومكنها من نقل الفيروس الى أحد أطفال المنطقة قبل ان تنتشر فيما بعد بشكل واسع ..اذا من المذنب الحقيقى ؟

علينا ان نعى جيدا ان للطبيعة ايضا آليات ذاتية للدفاع عن نفسها .. ميكانيزمات جرثومية رهيبة متحوّلة قد تخرج عن نطاق السيطرة .. نجحت بعلامة امتياز فى حالة covid 19 إلى نقل البشرية من زمن «صدام الحضارات» ولو مؤقتا إلى «صدام الأنواع « choc intra-espèces ما لم نعيد تموقعنا داخل الطبيعة...
ومن المتوقع انه بفعل تداعيات الكورونا COVID 19 سنكون مستقبلا فى مواجهة نظام عالمى مختلف تٌحال بموجبه العديد من النظريات الاستراتيجية الى التقاعد الوجوبي لتفسح المجال لفكر استراتيجى جديد سيٌكتب حتما برائحة الكورونا، يحاول الاجابة عن الاستشكال التالى : متى نتخلى نهائيا عن وهم «محورية الانسان» فى زمن خلنا ان «نظرية «مركزية الأرض» الأرسطية سقطت دون رجعة ؟

بقلم: محجوب لطفى بلهادى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا