نعم من الممكن إجراء امتحان البكالوريا في موعده المحدّد دون أدنى تأخير !

في مقال سابق «فيروس الكورونا: كيف يمكن تجنب سيناريو الكارثة؟» كنا قد بادرنا باقتراح اعتماد مقاربة

«التعليم عن بعد» إلى جانب «العمل عن بعد» في تحقيق اختراق ايجابي للحجر الصحّي العام وذلك بهدف ضمان ديمومة المرفق التربوي في زمن الكورونا ...
مخطىء من يعتقد أن فيروس الكورونا يدخل في سياقات «إدارة الازمات» بل نحن في سياق مختلف تماما يٌعبّر عنه «بإدارة الجوائح والكوارث» Disaster management من الصنف الوبائي العابر للحدود حيث أنّ:

- عنصر المفاجأة في نسق تصاعدي في «الأزمة» في حين أنه شامل وحيني في «الكارثة».

- القدرة على التدخل في «الأزمة» تنصبّ على تفكيكها لكنها في الكارثة تكون للحدّ فقط من اثارها.

- «الأزمة» قد تؤدي إلى كارثة بينما تولد «الكارثة» بشكل تلقائي أزمات متتالية ومركّبة.

- نفس المصطلح الواحد يحتمل معاني متمايزة .. فعبارة «البؤرة» في سياقات «الأزمة» كالنزاعات المسلحة والثورات أو الإرهاب تختلف جذريا عن «البؤرة» في مدلولاتها الوبائية الفيروسية.

- الإجراءات الوقائية والاستباقية الواجب إتباعها متباعدة جدا بين وضعية «الأزمة» و«الكارثة» الوبائية.. الخ

فإدارة جائحة معولمة بحجم الكورونا لا تخضع إلى منطق التدرج التراتبي للسيناريوهات التي درج علم «إدارة الأزمات» عموما على التعاطي معه باعتماد السيناريو - أ - قبل المرور إلى السيناريو - ب - ثم الالتجاء فيما بعد الى السيناريو - د- في صورة استنفاد السيناريوهات السابقة.. وهذا بالضبط، للأسف، ما ارتأته وزارة التربية في مقاربتها للامتحانات الوطنية الكبرى - تحديدا امتحان البكالوريا - من خلال التصريحات الإعلامية للسيد وزير التربية وأخرى متطابقة منسوبة إلى المدير العام للامتحانات بقوله «مبدئيا ستجرى الامتحانات الكتابية بالنسبة إلى الباكالوريا يوم 10 جوان المقبل وهذا يبقى السيناريو الأساسي للوزارة، لكن هناك سيناريوهات أخرى نعمل عليها وذلك بالتشاور مع نقابات التعليم في صورة تفاقم انتشار الوباء في تونس والعالم» مضيفا « بأنه لا يستبعد تأجيل موعد امتحان الباكالوريا إلى ما بعد 10 جوان المقبل بأسبوع أو أسبوعين إذا استمر اعتماد الحجر الصحي العام» لكنه قال إن الوزارة قد تلجأ إلى تأجيل الموعد إلى ما قبل افتتاح السنة الدراسية المقبلة سبتمبر القادم إذا تفاقم انتشار الفيروس !!

فالكورونا من أعقد الجوائح التي عرفتها البشرية في تاريخها الحديث .. فيروس غير محدد جسمه الناقل vecteur de transmission بشكل قاطع.. محل تنازع جيو سياسي بين الولايات المتحدة والصين وجيو-تجاري بين مختلف المخابر العلمية في العالم .. شفرتها الجينية لم تفكك بعد بالقدر الكافي.. واكتشاف ترياق - سواء وقائي أو علاجي - مسألة احتمالية قد لا تقل عن نهاية هذه السنة في أفضل السيناريوهات.. دخل مرحلته الثالثة في بلادنا.. مرشح بأن يضرب بقوة في غضون الأيام القريبة المقبلة ان تواصل «المدّ التضامني الشعبي» من الاستهتار واللامبالاة لضوابط الحجر الصحي العام.. يدخل ضمن مقاربة «إدارة الجوائح» ذات الطبيعة المركبة والمعقدة التي تستوجب على نقيض «إدارة الازمات» إلى تقديم السيناريو الأكثر سوء وقتامة أي السيناريو (د) والاشتغال عليه قبل باقي السيناريوهات (أ) و (ب) التى بطبيعتهما وفرت لهما وزارة التربية كل الامكانات البشرية واللوجستية الضرورية وبالتالي لا يطرحا اشكالا في الأصل.

بالفعل تعيش العديد من الأسر التونسية تقريبا حالة من القلق الشديد من استتباعات تحقق سيناريو استمرار الأزمة الى أجل غير مسمى.. فالمدارس ستظل مغلقة .. والدروس معلّقة والامتحانات الوطنية مهددة بالإلغاء و في مقدمتها امتحان البكالوريا، الشهادة التي لا تضاهيها أي شهادة في الوجدان الجمعي التونسي مهما كانت درجتها العلمية ...
ففرضية الغاء هذا الاستحقاق الوطني - المستبعدة كليا من وزارة التربية دون تقديم بديل مقنع - ستكون بمثابة الصدمة المجتمعية الكبرى التي قد يتعذر التحكم في ارتداداتها الداخلية والخارجية في المستقبل ..أما سيناريو تأجيل هذا الاستحقاق فإنه يدخل في باب المراهنة غير المضمونة النتائج لوباء قاتل مجهول الهوية الجينية عجزت «المنظمة العالمية للصحة» عن رصد بدايته فكيف لوزارة التربية الاشتغال على فرضية نهايته المرتقبة خاصة وأن جميع خبراء الصحة في بلادنا اطلقوا صيحة فزع من فرضية اقترابنا من السيناريو الإيطالي الجنائزي الرهيب ...

فنظام أمد - اجازة / ماجستير / ودكتوراه - الذي اعتمدناه منذ مطلع الألفية الجديدة يتغذى من الوافدين الجدد من حملة شهادة البكالوريا .. دونهم يتهاوى الصرح التربوي برمته الذي تستند أعمدته على هذه الحلقة الوسيطة الأساسية بين التعليم الثانوى والتعليم العالي .. حلقة لا تحتمل التأخير في تواريخها خاصة وأن الترياق الطبي المضاد للفيروس لن يرى النور قبل موفى هذه السنة، وبالتالي وجب الاشتغال على هذا السيناريو قبل غيره بالكفاءة والجرأة السياسية العالية ...

وفي عكس التيار العام الذي اتخذته العديد من دول الشمال والجنوب على حد السواء، وبذريعة ضعف البنية الأساسية الرقمية والحرص على احترام مبدإ تكافىء الفرص، فإن بوصلة إدارة هذه الجائحة من قبل وزارة التربية اتجهت أساسا إلى اعتماد مقاربة «الدروس المتلفزة» وحتى التفكير في بعث قناة تلفزية تربوية فضائية مع استخدام ما أمكن من متاح من منصات رقمية كموقع «يوتيوب» الوزارة !!

• مقاربة تثير أكثر من اشكال حقيقى:

1 - هل يمكن إدراج «الدروس المتلفزة» ضمن منظومة «التعليم عن بعد»؟
مما لا شك فيه ، إلا أنه ينبغي الفصل بين «التعليم عن بعد» enseignement á distance بصيغه القديمة (المراسلة، الدروس المتلفزة، المينتال) والتعليم عبر الشبكة enseignement en ligne كمنظومة تستند على التكنولوجيات الحديثة من تطبيقات تفاعلية ذكية ومنصات رقمية متخصصة وشبكات تواصل اجتماعى.. وبالتالي وجب التنسيب والحذر الشديد عند التسويق فى المنابر الإعلامية «للدروس المتلفزة» كالية من آليات «التعليم عن بعد» ...

2 - مدى نجاعتها مع جيل الانترنت؟
عرفت بلادنا «الدروس المتلفزة» منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي في تزامن مع جيل نهاية الستينات والسبعينات التي لا علاقة لهما بجيل اليوم «التسعينات أو الألفية الجديدة» الحامل لجينات ثقافية رقمية متقدمة والمتحفظ في غالبيته للمحامل الاتصالية الكلاسيكية من تلفاز وراديو، مما سيٌحدّ حتما من نجاعة وجدوى هذه العملية بمعايير المتابعة والتركيز .. بالمقابل يمكن الاستفادة من «الدروس المتلفزة» في هذه المرحلة كرافد تكميلي ومدعم لمسار منظومة «التعليم عن بعد» الرقمية لا غير ...

3 - ما هى البدائل الممكنة والمتاحة ؟
زمن اكتشاف العجلة من جديد ولّى وانتهى .. فالقاطرة التربوية تشهد منذ نهاية القرن الماضي طفرات نوعية، تٌشكّل الرقمنة ومزيدا من الرقمنة وقودها الحيوي عبر تطوير ميكانزمات «التعليم عن بعد».
فنلندا وأستونيا - في زمن قصير كانت اقتصاديتها زراعية بامتياز – تمكنت من تصدّر مواقع متقدمة في سلم تصنيف «بيزا» العالمي للانظمة التربوية وذلك بفضل الاستثمار في الرقمنة كمشروع مجتمعي شامل...
كما أن العديد من الجامعات الكبرى في العالم من «هارفارد» الى «السربون» دأبت منذ مدة على تقديم دروس أكاديمية عبر الشبكة تٌتوّج بنيل شهادة الإجازة أو الماجستير، إلى جانب الانتشار غير المسبوق «للتأهيل عن بعد» عبر صيغة Mooc وغيرها من أشكال التدريب والتكوين عن بعد.
وبالنظر لما يٌروّج هنا وهناك من مغالطات عن قصد أو غير قصد بأن بنيتنا التحتية الرقمية «ضعيفة» لا تسمح بالاعتماد كثيرا على مقاربة «التعليم عبر الشبكة» لتجاوز استتباعات جائحة الكورونا، فاننا نسارع بابداء الملاحظات التالية:

- مقارنة بمحيطنا الاقليمي تٌصنّف بلادنا من بين الدول التي لديها بنية رقمية متقدمة:
تعدّ من أفضل الدول ارتباطا بالشبكة عبر الموبايل وفق تصنيف Speedtest Global Index / تتوفر على أربع كابلات بحرية câbles sous marin بتقنية الألياف البصرية تمرّ تحت مياهنا البحرية لتأمين تدفق الانترنت بشكل سلس ومستمر/ لدينا عدد محترم من مزودىي خدمات الانترنت FSI من القطاع العام والخاص / وكالات حكومية متخصصة في الإنترنت والسلامة المعلوماتية والمصادقة الالكترونية الخ/ قرابة 10 ألف مهندس سنويا من خريجي الجامعة التونسية، قسم هام منهم متخصص في النظم المعلوماتية / في تقريرها لسنة 2018 أكدت «الهيئة الوطنية للاتصالات» بأن بلادنا سجلت تطورا مستمرا في مستوى جميع المؤشرات الاتصالية حيث تم تحقيق نسبة نفاذ taux de pénétration عبر الهواتف الذكية تعادل 75,8 ٪ بما يناهز ثماني مليون مستخدم، وهي من أعلى النسب افريقيا والقريبة جدا من النسب العالمية / قرابة 7 مليون 300 ألف مستخدم للفايسبوك إلى حدود سنة 2019 ، من بين الأرقام المرتفعة جدا على الصعيد الافريقي وحتى الدولي مقارنة بعدد السكان / تموقع العديد من المؤسّسات الناشئة les startups التونسية والأجنبية المتخصّصة في تطوير البرمجيات الكبرى والتطبيقات الموجّهة / مساهمة قطاع تكنولوجيات الحديثة بنسبة 7,5 ٪ من الناتج الداخلي الخام حسب المعهد الوطني للإحصاء ( 2018 ) الخ الخ...

- في مستوى منظومتنا التربوية الأساسية والثانوية: منذ نهاية تسعينات القرن الماضي تم احداث المعهد الوطني للمكتبية والاعلامية (المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية حاليا CNTE) الذي بصدد قطع أشواط متقدمة في اتجاه ارساء الأسس اللامادية «للمدرسة الرقمية التونسية» من فضاءات للمراجعة والتدارك، وموارد رقمية، ومقاطع فيديو للمراجعة لفائدة تلاميذ المراحل النهائية وغيرها من المنصات الرقمية الموجهة للاولياء والمربين...
أليس من الحري تقديم الدعم الكامل والسريع لهذه المؤسسة القادرة بحكم تجربتها الطويلة والكفاءات التي تزخر بها على تأمين ديمومة المرفق التربوي في أوقات الأزمات - الإضرابات بالخصوص – أو الجوائح على غرار الكورونا ؟ أم أننا سنرضخ للجهات الضاغطة المعادية للرقمنة داخل الوسط المدرسي وبالتالي سنفوّت عن أنفسنا فرصة التدارك التي قد لا تتجدد ؟

أليس من الحري أيضا الإستفادة من أسبقيتنا الرقمية في محيطنا العربي والافريقي وذلك بتعبئة مواردنا المالية وتقوية منسوب تدفق الشبكة Débit du réseau المتاح تقنيا من قبل «الوكالة التونسية للانترنت» و«الديوان الوطني للارسال» ومختلف «مزودي خدمات الانترنت» اللازمة لتيسير عملية الارتباط بالشبكة لكل تلميذ بكالوريا في مرحلة أولى وتمكين التلاميذ من فئة محدودي الدخل من لوحات ذكية ومن ارتباط مجاني بالشبكة؟

- في مستوى المبادرات المجتمعية : رصدنا في الآونة الأخيرة عدد من المبادرات المجتمعية تتمثل في اقتراح بدائل رقمية من منصات ومواقع افتراضية تؤمن تواصل تفاعلي فيما بين التلاميذ والطلبة، وأقسام افتراضية مسيرة من قبل الأساتذة عبر تقنية المحاضرات عن بعد vidéo-conférence ومقاطع فيديو من الدروس على قناة اليوتيوب الخ...
في هذا المجال وفي حدود هذه العطلة، لما لا يتم استغلال الزخم الفايسبوكي الذي تتميز به ببلادنا من خلال استخدام تطبيقة «الميسانجر» في المراجعة والتدارك وغيرها من المنصات الرقمية المتخصّصة في «التعليم عن بعد «المتوفرة مجانا على الشبكة في انتظار تصميم موقع رسمي للغرض ؟

4 - هل يمكن اجتياز امتحان «البكالوريا عن بعد» دون المساس بمبدا المصداقية وتكافىء الفرص بين المترشحين ؟

قد يبدو للبعض أن مجرد طرح السؤال على هذا النحو يٌعدّ شكلا من أشكال الفانتاسما أو ضربا من ضروب الخيال العلمي الجامح ..قطعا لا ! فالتجارب المقارنة الشقيقة والصديقة تثبت أن إجراء الامتحانات عبر الشبكة في احترام لمعايير تكافىء الفرص والسلامة ممكن ومتاح جدا.
«فالمركز الوطني للتعليم عن بعد» CNED في فرنسا يقوم منذ سنوات بتنظيم امتحانات البكالوريا عن بعد فى عدد من الشعب المهنية دون المساس بمصداقية الشهادة المعترف بها بالكامل على غرار شهائد البكالوريا الممنوحة ضمن منظومة الامتحانات الحضورية، كما ان أعتى الجامعات في العالم تنظم منذ سنوات بشكل عادي «الامتحانات عن بعد» في مستوى الاجازة وحتى الماجستير .

وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، أطلقت مؤخرا وزارة التربية الأردنية منصة «درسك» للتعليم عن بعد حرصا منها لاستدامة العملية التربوية وضمان حق التلميذ في التعلم مع التزامها في صورة تواصل الفيروس من تزويد التلاميذ بكافة التفاصيل حول آلية عقد «الامتحانات عن بعد» .. في الامارات العربية انخرطت منذ الأحد الماضي أكثر من 1260 مؤسسة تعليمية ضمن منظومة «التعليم عن بعد» وهي على أتم الاستعداد لتنظيم الامتحانات – بما فيها البكالوريا – عن بعد ان تطلب الأمر ذلك.. فيكفي اذا أن يستأنس خبراءنا «بالمركز الوطني لتكنولوجيات التربية» بهذه التجارب الرائدة وغيرها لاستنباط مقاربة إجرائية تونسية «للامتحانات عن بعد» تتميز بالصرامة والمصداقية.
خلاصة القول، نحن حيال حرب جرثومية كونية تهدد البشرية قاطبة ليس فقط في نمط عيشها بل أيضا في وجودها وديمومتها.. حرب من المرجّح أن تتواصل لأجل غير مسمى وأن يتحوط الفيروس الخبيث في أشكال جينية أشد فتكا في السنوات القادمة لا قدر الله...
فإن أردنا لمنظومتنا التربوية أن تستمر فإن علينا التخلي نهائيا عن الذهنية الذرائعية المهيمنة اليوم «أحنا مش جاهزين ومازلنا بعاد على الآخرين» واستبدالها «علينا الاستعداد منذ اليوم في عالم لا يرحم من يتأخر عن الصف».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا