كواليس النات الى الهيئة العليا للانتخابات : حذار ثم حذار من الاقتراع الالكتروني !

بمناسبة اثارة مسالة ترفيع العتبة الانتخابية وامكانية احالتها على انظار الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب للبتّ فيها،

نظّمت مؤخرا مؤسسة التلفزة الوطنية حوارا تلفزى جمع الرئيس السابق للهيئة العليا للانتخابات ورئيسها الحالي المباشر الى جانب عدد من المختصين فى الشأن الانتخابي أثار خلالها الرئيس الحالى للهيئة فرضية اعتماد الاقتراع عن بعد - بطبيعة الحال بعد التفكير والتداول - فى قادم الانتخابات الخاصة بالتونسيين المقيمين بالخارج وذلك بهدف الرفع من نسب المشاركة التى عرفت مستويات من العزوف المخيفة ...
وبما أن الاقتراع عن بعد - الالكتروني عبر شبكة الانترنت - أضحى يخامر ذهن رئيس الهيئة، وربما سيٌشكّل مستقبلا أحد خيارات الهيئة فإنه بات من الضروري أن نتطرق اليه بتقديم وجهة نظر مدافعيه ومنتقديه من جهة وما جادت به التجارب المقارنة الانتخابية الالكترونية من استتباعات ونتائج من جهة ثانية...
1- من زاوية التأييد والمساندة
ليس كل ما يلمع ذهبا.. مقولة متداولة تنطبق تمام الانطباق على الاقتراع عن بعد الذي يبدو عند الكثير آلية انتخاب مثالية من شأنها :
- أن تٌخفّض من التكلفة اللوجستية المرتفعة للانتخابات من مكاتب اقتراع ومعدات ووسائل نقل وحماية الخ...
- أن تٌساهم عملية الانتخاب عن بعد في خلق مجال من «الأريحية الانتخابية» le confort électoral للناخب بعيدا عن طوابير الانتظار أمام مكاتب الاقتراع والمٌكبلات الزمنية التي تحدد ساعات اشتغال هذه المكاتب...
- أن تٌرفّع من نسب المشاركة بشكل ملحوظ مما يضفى أكبر قدر ممكن من المشروعية الجماهيرية على العملية الانتخابية...
- أن تٌوفّر أكبر قدر من السرّية على العملية...
- أن تٌؤمّن أكبر قدر ممكن من الانسيابية والسرعة لكافة مراحل العملية الانتخابية من تصويت وفرز واعلان عن النتائج...
- أن تقطع نهائيا مع إشكالية الورقات الملغاة باعتبار أن المنظومة الإعلامية لا تسمح بذلك ...
2 – من زاوية الاعتراض والتحفظ
فى الضفة الأخرى، تكشف عديد البحوث الأكاديمية والتقارير البرلمانية عن المخاطر الجمّة التى تستبطنها آلية الاقتراع الالكتروني، أبرزها :
- تهديدها لسلامة العملية الانتخابية برمتها القابلة للقرصنة والاختراق فى أية لحظة...
- مساسها المباشر من مبدأ سرية الاقتراع حيث يتسنى للمنظومة الاعلامية الانتخابية الكشف بسهولة عن توجهات التصويت لهذا الشخص او ذاك...
- تسريعها من وتيرة عمليات الغش وشراء الأصوات والذمم باعتبار أن هنالك استحالة مادية للتعرف عن الهوية الحقيقية للناخب.. فالتوقيع الألكتروني وكلمات العبور لا يكفيان بالمرّة للتثبت من هويّة الناخب والتحقق من إرادته الحرّة عند التصويت من عدمها...
- امكانية حدوث انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي او تعرض الخوادم les serveurs إلى عطب طارئ من شأنه اثارة البلبلة والاضطراب فى اشتغال المنظومة الانتخابية برمتها...
- عدم وثوقية عملية تسجيل وخزن الأصوات المصرّح بها لا سيما بعد تنامي تكنولوجيا الحوسبة السحابية le Cloud computing ...
- عدم تحقيق التوازن المٌنصف بين مختلف الأفراد والجهات بما يٌعبّر عنه بالتمييز الرقمي discrimination digitale بين من لديه حاسوب ومن لا يتوفر له ذلك .. بين من هو مرتبط بالشبكة ومن لم يتسن له ذلك.. بين الجهات التي تتوفر على تدفق عال للانترنت وأخرى منخفضة او حتى لم تصلها التغطية.. بين ناخب تونسي مقيم باحدى الدول الغربية واخر قاطن فى أطراف أحد الأرياف التونسية المنسية الخارجة عن نطاق الخدمة الكهربائية او الاتصالية ...
- التكلفة المرتفعة للخطة الاتصالية المعدّة بغرض الإعداد النفسي والتقني للناخبين على آلية الاقتراع الإلكتروني تنضاف لها جدوى اتصالية غير مضمونة بالمرة...
- خطر إمكانية خصخصة privatisation العملية الانتخابية وإحالتها إلى مؤسسات خاصة تشتغل فى ميدان الحوسبة السحابية...
- إضعاف عرى الروابط المتبقية بين الناخب والدولة بين المواطن والوطن التى يتم التعبير عنها حصرا فى النظم الديمقراطية من خلال آلية الاقتراع لا غير والتي لا يمكن اختزالها فى حالة خوارزمية un état algorithmique نجهل خفاياها ونقاط ضعفها...
3 - من زوايا التجارب المقارنة
من بين أهم مخرجات اللخبطة الانتقالية الراهنة - التى تتحكم فيها مجموعات من «خوارج الديمقراطية الجدد» - ابتداعها للعجلة من جديد فى جميع المجالات دون الالتفات الجدى والمعمّق للتجارب المقارنة.. ومن باب الحرص ان لا تنسحب هذه العادة السيئة على عمل هيئتنا الانتخابية فإنه يتعين وضع النقاط على أحرف التجارب الانتخابية المقارنة التى اعتمدت الية الاقتراع الإلكترونى.
- فى الولايات المتحدة الأمريكية : تم استخدام هذه الآلية فى سنة 2000 لفائدة جنودها الموجودين خارج البلاد ، إلا أنه وقع التخلّى عنها سريعا للأسباب المبوّبة سابقا...
- فى الكندا : بالرغم من انها تعدّ من البلدان الرائدة فى ميدان الاقتراع الإلكتروني على المستوى البلدي فان النقاش ما زال على أشده إلى اليوم حول مدى استجابة الاقتراع الالكتروني لأساسيات الديمقراطية فى تنظيم انتخابات حرة ، شفافة ونزيهة...
- فى سويسرا : انطلقت تجربة الاقتراع الإلكتروني فى عدد لا يتجاوز الثلاث كنتونات.. الا أن النتائج الاخيرة المسجلة فى الغرض غير مشجعة على الإطلاق ممّا حدا بالسلطات السويسرية إلى تعليق العمل بهذه الالية للمخاطر العالية التى تكتنفها...
- فى عدد من الدول الأوروبية تم التراجع عن تجربة الاقتراع الإلكتروني، فالمحكمة الدستورية فى ألمانيا اقرت سنة 2009 بعدم دستورية الاقتراع الالكتروني باعتباره لا يسمح للناخبين بمراقبة عملية الانتخاب والتاكد من النتائج ، كما تم التوقف عن استخدام هذه الالية فى هولاندا.. نفس التوجه اتخذته ايرلندا التى قررت التخلي عن هذه الالية سنة 2012 لعدم توفرها على الحد الادنى من مقتضيات السلامة...
- فى أستونيا البلد الرقمي بامتياز : بمناسبة الانتخابات التشريعية الأخيرة لم تتعدى نسبة الاقتراع الإلكتروني 44 بالمائة من مجموع الناخبين، أى أن أكثر من نصف الناخبين الأستونيين لم ينخرطوا فى العملية للغموض الذى يلف الية الاقتراع الالكترونى...
مختصر القول، لا يمكننا إلا رفع العلامة المرورية «حذار» مرفقة بعبارة «خطر» فى وجه الهيئة العليا للانتخابات عند مقاربة هذا الموضوع المٌفخّخ فى بلد تحكمه جمهورية الفايسبوك من ألفها إلى يائها.
أعيدها للمرة الألف ليس كل ما يلمع ذهبا !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا